يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى

يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى
موسى العدوان

بمناسبة الاحتفال بيوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين الذي صادف يوم الأربعاء 15/2/ 2017، لا أجد أبلغ مما خط قلمه المؤرخ الأردني سليمان موسى، في كتابه المرجعي ” أيام لا تنسى “. إذ تحدث المؤرخ عما قدمه أبطال الجيش العربي الأردني، من تضحيات وأعمال مجيدة في حرب عام 1948. فمنهم من روى بدمه الطاهر ثرى فلسطين وفاز بالشهادة فداء للأقصى والأرض المقدسة، ومنهم من توفاه اه س دون أن تُكتب له الشهادة، وآخرين من رفاقهم كُتبت لهم الحياة لسنوات لاحقة، ليشهدوا ما آلت إليه الأمور المحزنة في فلسطين بعد كل تلك التضحيات.

ولا يسعنا في هذا اليوم وبعد ما يقارب 69 عاما، إلا أن نترحم على أرواح الشهداء والمتوفين جميعا، ونتمنى الصحة وحسن الختام لمن هم على قيد الحياة. وتجسيدا لما أسلفت سأورد تاليا اقتباسا بما كتبه المؤرخ سليمان موسى رحمه الله:
” إن الدور الذي قام به الأردن – ملكا وحكومة وجيشا – في حرب 1948، لم يكن واضحا بما فيه الكفاية في المؤلفات التي وضعت عن هذه الحقبة من تاريخ العرب الحديث. وقد زاد من عدم الوضوح، تخرّصات المتخرّصين، ومزاعم الجهلاء، وأفك أصحاب الغايات. ولكن الأمر لم يكن هينا بسبب قلة المصادر، خاصة عن الجهد العسكري الذي بذله الجيش . . . .

مع مضي الزمن ازددت اقتناعا بأهمية العمل الذي أقوم به : هؤلاء الرجال الذين واجهوا الموت في سبيل الوطن، ماذا قدم الوطن لهم بالمقابل ؟ وتكشفت لي جراح وأوجاع نفسية. كثيرون كانوا يشعرون أن الوطن أهملهم ونسيهم. كثيرون ترددوا في التحدث إلي، لاعتقادهم أن الوطن لم يعد يسأل عنهم ويهتم بهم. والآن أراني أقول : ما أجدر هؤلاء الأبطال بمزيد من الاهتمام والعناية. هؤلاء الذين حافظوا على شرف الوطن في أيام الخطر، حينما كنت أنا وأمثالي بعيدين عن الخطر.

وتعاظم في نفسي الشعور بمسؤوليتي الشخصية. علي الأقل أستطيع أن أنوب عن الوطن في كتابة قصة هذه الحرب. لا يكفي القول أن عيد إدليّم استشهد في معركة النوتردام، وأن عبد الله فلاح استشهد في معركة قوله. علي أن أروي القصة كما وقعت فعلا. علي أن أتصور كيف حدث ما حدث، وأن أرسم تصوراتي سطورا على الصفحات.

فهل قمت بالواجب ؟ وهل أديت الأمانة ؟ وهل وفيت بعض الدين الذي لهؤلاء الرجال في عنقي وفي أعناق غيري من أبناء الأردن وفلسطين على وجه الخصوص ؟ لقد أتاح لي نشر هذه الحلقات على صفحات جريدة الرأي، مجال التعرف على رد الفعل عند أولئك الذين يعنيهم الأمر مباشرة.

هنا أعطي مثالا واحدا : اتصلت بي ذات يوم سيدة كان زوجها قد غادر الأردن إلى بلاد بعيدة وقالت عبر الهاتف : لقد سالت دموعي من فرط التأثر عندما قرأت ما كتبت عن زوجي. كان يظن أن جهده ذهب في طيات النسيان، والآن اكتشفنا أن الدنيا بخير. قلت لها : كفى يا سيدتي، إن في كلماتك جزاء كافيا لي عن الليالي الطويلة، التي سهرت والمشقات التي تكبدت. عندئذ أيقنت أكثر من أي وقت مضى، أن مداواة القلوب المكلومة نعمة من السماء . . .

وأنتم يا إخواني جنود الجيش العربي وضباطه . . لقد عشت معكم سنوات غالية من عمري، وأنا أتتبع الهضاب الوعرة التي قطعتم دروبها، والمعارك الدامية التي خضتم غمارها. سرت معكم بقلبي وعقلي أيام الحرب خطوة خطوة، عشتها معكم. كنت شاهدا على الدماء التي نزفت وبللت تراب الأرض، على الجراح التي أصابتكم هنا وهناك، على الآلام المبرحة، على العرق والدموع، على التأوهات الحزينة والأشواق الضائعة. كان هدفي أن أعطيكم بعض حقكم، لأن الذي أعطيتم – مهجكم العزيزة وأعماركم – أكبر وأعظم من أن يوفى حقه كاملا. كنتم المثل الأعلى للمحبة التي تعطى بسخاء وعن طيبة خاطر، تعطي كل شيء دون أن تأخذ شيئا.

وكيف أستطيع أنا أو يستطيع غيري أن يرد لكم جميلكم ؟ أنتم الذين وقفتم في وجه الموت، أنتم الذين ألقيتم بأنفسكم في لجة النار. ماذا يستطيع الوطن أن يصنع لكم ؟ أنتم الذين سهرتم وشقيتم بينما كان غيركم يغط في النوم. على هذه الصفحات أحمل لكم اعتراف الوطن بجميلكم، لكي يبقى ذلك الاعتراف ما بقيت الكلمة شاهدا لكم علينا نحن الذين لم يكن لنا الشرف الذي نلتم: أن نحمل السلاح ونحارب الغزاة. فلتكن الليالي الطويلة التي سهرتها في رسم هذه الكلمات باقة حب بين أيديكم. وليكن هذا الكتاب شاهد حق مع أبنائكم وأحفادكم، لكي يقول كل واحد منهم بفخر: كان أبي جنديا من جنود الجيش العربي “. انتهى الاقتباس.
* * *
هذه الكلمات المعبرّة والصادرة من قلب مؤمن بحب الوطن، ومقدر لتضحيات الجيش العربي الأردني، ما هي إلاّ تذكرة بأعمال بطولية جرت في منتصف القرن الماضي، دفاعا عن المقدسات وثرى فلسطين العزيزة، فلعلها تشكل حافزا للأجيال اللاحقة للاقتداء بأفعاله في زمن قادم. ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ). صدق الله العظيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى