اعتبارا من هذا الشهر ستبدأ شركات التسويق للمشتقات النفطية بالاستيراد من الخارج دون وساطة مصفاة البترول، التي حافظت على التزامها بتزويد المملكة بكافة احتياجاتها، من المشتقات دون انقطاع وتحت كل الظروف.
هذا القرار هو استكمال لتداعيات الرخص التي كانت حصلت عليها تلك الشركات في وقت سابق، والشركات هي: المناصير وتوتال والشركة التسويقية التي تمتلكها المصفاة، حيث كانت الحكومة قد قسمت سوق المشتقات النفطية بالتساوي وبنسبة الثلث بين شركات التسويق الثلاث، التي أعطتها وزارة الطاقة والثروة المعدنية رخصا لتسويق المحروقات في المملكة؛ إذ حصلت كل من الشركات الثلاث على ما نسبته 33.3 بالمائة من حجم سوق المحروقات الكلي في المملكة.
تطبيق قرار الاستيراد سيبدأ بمادة الديزل، وهو أمر قد يكون مجدٍ اقتصاديا في هذا الوقت؛ نظرا لتزايد الطلب عليه في فصل الشتاء، وهو قرار يتيح للمواطنين شراء ديزل بمواصفات قد تكون أعلى من تلك التي تنتجها المصفاة التي تجاوز عمرها الآن الـ60 عاما، حيث بدا واضحا حالة تدني المواصفات المنتجة لبعض مشتقاتها مقارنة مع ما هو موجود في الخارج، ما جعل المواطنين يتحملون أعباء سعرية اعلى في شراء المشتقات، كما انعكس تراجع الكفاءة الانتاجية على كلف البيع.
قد يكون هذا الكلام إلى حد ما صحيح، فالمواطن يتحمل تلك الكلف العالية نظرا لاحتكار السوق النفطي من قبل المصفاة ومنع الاستيراد لفترات طويلة، ولكن الحكومة هي وحدها من تتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع الانتاجية في مصفاة البترول الاردنية.
فتارة يريدون مصفاة جديدة، وأخرى يريدون توسعة القائمة، ومرة يتراجعون عن المشروع برمته، وأخرى يختفي الحديث عن الموضع وهكذا، فالحكومة في حالة تردد واضح من حيث ماذا تريد من مصفاة البترول الأردنية التي لا تمتلك فيها أسهما تتجاوز الـ1 بالمائة، وإنما تسيطر عليها من خلال عقد الامتياز فقط لا غير، فالمصفاة ملك لمساهمين أردنيين يتجاوز عددهم ال33 ألف مساهم بما فيهم الضمان الاجتماعي الذي يملك 20 بالمائة من رأسمال الشركة البالغ 32 مليون دينار.
الحكومة هي من تحدد نسبة الربح للشركة التي لا يجب أن تتجاوز الـ15 مليون دينار، في الوقت الذي تتجاوز مبيعاتها الإجمالية أكثر من أربعة مليارات دينار، وهي من تحدد نسبة توزيع الأرباح التي هي الأخرى لا تتجاوز الـ20 بالمائة، وهو أمر يوضح مدى التغول الحكومي على هذه الشركة التي تمتلك فيها أسهما أقل من 1 بالمائة، وتسيطر عليها كما قلنا سابقا من خلال عقد الامتياز فقط.
التغول الحكومي لا يقتصر على أرباح الشركة وأنشطتها وأعمالها، بل يمتد إلى الاعتداء المباشر عليها من خلال حجم المديونية التي اقتربت من المليار لصالح المصفاة، والتي تطالب منذ سنين الحكومة والجهات الرسمية المختلفة بتسديدها، وبدلا من التعامل الرسمي الإيجابي معها وسدادها مثلما يتم سداد التزامات الدين الخارجية، ارتفعت مديونية المصفاة على الحكومة من 600 مليون إلى مليار دينار تقريبا.
هذا الأمر حد من قدرة الشركة على التوسع أو تطوير أعمالها ومنشآتها التكريرية، وجعل مواصفات منتجاتها أقل مما هي عليه في الخارج، والأكثر خطورة من ذلك أن البنوك بدأت تتشدد كثيرا في تعاملاتها المصرفية مع المصفاة بسبب تلك المديونية التي تتجنب الحكومة معالجتها وتتجاهلها تماما.
إذا أرادت الحكومة فعلا تحرير قطاع الطاقة وتحقيق العدالة بين كافة أطراف المعادلة فيه، فلترفع يدها وتغولها عن مصفاة البترول، وتسدد التزاماتها تجاه الشركة وتعطيها حرية اتخاذ قرارها الاستثماري، ففي النهاية شركات التسويق الجديدة لن تتحمل أن يكون لها ديون على الحكومة، وقد تلجأ للقضاء الدولي لعلاج تخلّف الحكومة عن سداد أول قسط، وهي ليست ملزمة بتأمين كافة احتياجات الممكلة من المشتقات النفطية، فهي تنظر للمسألة بعين الربح لا أكثر، في حين أن المصفاة تتحمل مديونية على الحكومة بمقدار مليار، وتلتزم بتأمين احتياجات المملكة بكافة المشتقات وتحت كافة الظروف، ومع ذلك فهي تتجاوز صعوبة التعامل مع البنوك التي ورطتهم الحكومة معها من خلال تراكم المديونية، ولا يطالبونها بالاستثمار في تحسين مواصفاة المشتقات واستكمال أعمال التوسعة، فأي منطق تتعامل الحكومة به مع الشركات الاستراتيجية الكبرى.
salamah.darawi@gmail.com




