
سواليف _ أعلن الباحث والمفكر العربي، عزمي بشارة، اعتزاله العمل السياسي المباشر؛ مرجعاً ذلك إلى رغبته في التركيز على الجانب الفكري والبحثي، وتثقيف الأجيال القادمة، وترك إرث فكري لها.
وقال بشارة، في حوار مع برنامج “وفي رواية أخرى” على “التلفزيون العربي”، إن قراراً اختمر لديه منذ عامين باعتزال العمل السياسي المتعلق بالعمل الحزبي والحركي المباشر، والتركيز فقط على الجانب الفكري والبحثي وتثقيف الأجيال كمهمة أساسية.
وأضاف، أنه منذ عدة سنوات “لا يؤدي عملاً سياسيّاً مباشراً”.
وتابع: “ولكنني سأتخذ مواقف بوصفي مثقفاً ملتزماً بقضايا الناس كما عرف عني، ولن أغادر شخصي أو ضميري، وسأبقى حيث أنا”.
وأكَّد الباحث والمفكر العربي، أن عمله “الفكري والبحثي” لن يمنعه من اتخاذ مواقف يعرف أن لها ثمناً وضريبة؛ فالمثقف صاحب الضمير- بحسب رأيه – لا يجلس في برج عاجي.
كما وصف عزمي بشارة الهزيمة التي تلقاها العرب في حرب 1967 بـ”الصدمة الكبرى”؛ حيث كان الناس متعلقين بالخطاب العربي الثوري، الذي سيحرر فلسطين.
وأضاف، أن الهزيمة “علمتنا أن نفهم الفجوة الحضارية الكبرى بين نظام رأسمالي حديث تكنولوجي متطور، ينظم نفسه في مؤسسات، ومدعوم من الغرب، وبين الأنظمة العربية بحالتها التي كانت عليها”.
وعن السياق العام الذي نشأ فيه، قال عزمي بشارة إنّ نشأته كانت داخل منزل لأسرة “يسارية” تنتمي للطبقة الوسطى الدنيا، وتعي انتماءها للحضارة العربية الإسلامية.
وأكد أنه كان يعيش داخل جو صحي يوفر الحرية لأبنائه، وأنه تربَّى في بيت يهتم بالأبناء، ولا سيما في مجالي التربية والتعليم، والعلاقات التي تجمع أسرته، حتى الآن، هي علاقات حميمية تتسم بالمحبة والهدوء.
وكشف أن والده كان حزبياً شيوعياً فى بداية شبابه، لكنه أصبح لاحقاً ناشطاً نقابياً فقط، ولم ينشغل بالسياسة، مضيفاً أن والده كان قارئاً نهماً، وكان البيت مليئا بالأدبيات اليسارية، ويتم تداول المصطلحات السياسية المعقدة فيه منذ طفولته.
وأوضح، أن المنزل الذي تربَّى فيه كان يسارياً وطنياً، وفلسطينياً منفتحاً على جميع المعارف، متابعا: “والدي شجَّعني وأنا طفل على قراءة القرآن والإنجيل والتوراة”.
وتحدث بشارة أيضاً عن نشأته في الحي الغربي من الناصرة، الذي كان قريباً من القرى التى شُرِّدت عام 1948، مؤكداً أن القانون الرئيسي الذي كان يحكم علاقة الفلسطينيين بالدولة الصهيونية هو الخوف.
وأشار بشارة إلى أن الحكم كان عسكرياً يتدخل فى كل جوانب حياة الإنسان، إذ تحتاج لتصريح إذا أردت التحرك من قرية إلى قرية، ولتصريح خاص للعمل إذا أردت العمل في مدن أخرى، وكان الناس يسعون خلف معاشهم اليومي.
وعن تجربته في تنظيم طلاب الثانوية العرب، قال عزمي بشارة: “إن فكرة تأسيس الحركة الطلابية بالثانوية العامة للطلاب العرب كانت مغامرة كبيرة جداً، حيث وصفها، أنها “أحد مفاصله التكوينية”.
وكشف، أن الدافع العام لتأسيس الحركة الطلابية هو الشعور الوطني العام لدى الطلاب العرب بالحاجة للنضال ضد الممارسات العنصرية، فقرروا إنشاء لجنة المبادرة لطلاب الثانوية العرب.
ولفت إلى أن مناهج التدريس كانت صهيونية، وكانوا يتعلمون التوراة ولا يتعلمون القرآن، والأمثلة التي ترد في تعليم اللغة العربية كانت عنصرية، وتتعمد الحط من العرب؛ مما أثار الغضب بداخل الطلاب العرب.
وقال بشارة، إنه كان يتعرض للطرد من المدارس، ويتعرض لملاحقات من المخابرات أثناء تأسيس اللجنة القطرية لطلاب الثانوية؛ حتى إن أهله – لمدة عام كامل – كانوا يعتقدون أنه يذهب للمدرسة، بينما كان يذهب لتنظيم الطلاب في القرى، مضيفاً أن الخوف كان يتملك المواطنين من فكرة تنظيم العرب بوصفهم عرباً.
وأكد عزمي بشارة، أن شعوراً وطنياً بدأ يتبلور بالاحتياج لتنظيم الطلاب العرب لأنفسهم، والبحث عن متنفس لتأكيد الهوية الوطنية، ومساواة التعليم الذي ينفي الهوية عن الفلسطينيين.
ونبه إلى أن مناهج التعليم التي كانوا يدرسونها كانت تنفي وجود سكان قبل قدوم المستوطنين اليهود، وتؤكد أن المنطقة كانت خاوية، وكانت عبارة عن مستنقعات جففها المستوطنون اليهود.
وتحدث عزمي بشارة كذلك عن قراره في تأسيس اللجنة القطرية للطلاب العرب في الصف الحادي عشر، والذى اعتبره “أول تنظيم عربي على مستوى العرب فى الداخل جميعاً”.
وفي سياق حديثه عن مسيرة نضاله، قال بشارة، إن حياته الجامعية في جامعة حيفا والقدس كانت ضمن هذه المسيرة؛ وتعرض بسبب نشاطه عدة مرات للمحاكم التأديبية والفصل، وأدى نشاطه إلى صدامات واشتباكات بالأيدي بين الحركة الطلابية الصهيونية وبين الطلاب العرب، وبعض الصدامات اشتهرت وصورتها وسائل الإعلام العالمية.
وبخصوص حرب 1973، قال المفكر العربي، إن تلك الحرب “جعلتنا نشعر بالكرامة والفخر بالانتساب للأمة، إلا أننا فهمنا بعد ذلك، أن الحرب كانت نصف انتصار ونصف هزيمة، وأدت لمفاوضات “كامب ديفيد” وفهمنا الربط بين الحرب وعملية الاستسلام التي تمت بعدها”.
وأكد أن حرب 1973 أضفت أجواء وطنيةً، وصاحبها صعودٌ للمقاومة الفلسطينية، وبدءُ الاعتراف العالمي بمنظمة التحرير الفلسطينية.
أما من ناحية عرب الداخل، فقد قال بشارة: “تطورت في أوساطهم طبقة وسطى واعية ومثقفة، ولم يعد الحزب الشيوعي الإسرائيلي وحيداً في الساحة، وأصبح هناك فئات وطنية تنظم نفسها فى روابط أكاديمية واتحادات”.
وأشار إلى أن هذه التطورات أدَّت إلى نشوء تحالف بين الشيوعيين وهؤلاء الأكاديميين الوطنيين في ما سمي “لجنة الدفاع عن الأراضي العربية”؛ في محاولة منهم لاتخاذ خطوات نضالية ضد مصادرة ما تبقى من الأراضي العربية فى الداخل الفلسطيني.
وعن أسباب يوم الأرض، قال بشارة، إن الاحتلال اختار سياسة مُعلنة، وهي نشر اليهود على طول فلسطين، ومنع وجود أكثرية للعرب في أي منطقة، وعقب مصادرة أراضٍ كبيرة من أراضي الفلسطينين في منطقة الجليل تحت شعار “تطوير المنطقة”؛ تم اتخاذ قرار من اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض بالإضراب السلمي، لكن الجماهير خرجت للشوارع فردَّت عليها إسرائيل تحت قيادة إسحق رابين بعصبية، ووقعت مصادمات سقط فيها 6 شهداء ومئات الجرحى من عرب الداخل.
وذكر، أن مظاهرات يوم الأرض تحولت في ما بعد للنضال ضد الحكومة، وضد القيادات العربية التقليدية، وأصبح يوماً تاريخياً فى تشكُّل الوعي الوطني، وصارت له رمزية خاصة بما له من بُعْد “مواطني ومساواتي ومدني” ضد منطق يهودية الدولة.
إلى ذلك، قال الباحث والمفكر العربي عزمي بشارة إن عرب الداخل تظاهروا ضد زيارة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، لتل أبيب؛ بسبب خطر “الأسرلة” و”التطبيع”؛ لأن حضور السادات ساهم في هذه العملية، وأدى لاحقاً لخروج أكبر دولة عربية من الصراع العربي الإسرائيلي.
ولفت إلى أن بعض عرب الداخل تظاهروا بدوافع تتعلق بخروج السادات من المعسكر السوفييتي واتجاهه نحو الولايات المتحدة، ولكن وجد بعضهم الآخر في زيارة السادات لتل أبيب خروجاً لمصر من الصراع العربي الإسرائيلي بالمعنى التاريخي.
وبحسب تعبير بشارة، فإن هذا الأمر خطير؛ لأنه يعني أن قضية فلسطين لم تعد القضية المركزية لدى العرب، وأن الاكتفاء باستعادة سيناء التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 لا يُنهي بذور الصراع الأساسية بين العرب وإسرائيل، لأن احتلال سيناء كان نتيجة للصراع العربي الإسرائيلي وليس العكس.
وفي سياق حديثه عن التطبيع، قال بشارة إنه لم يكن يرغب حتى وقت قريب في زيارة مصر؛ لأنه كان يعتبر ذلك تطبيعاً معاكساً.
وأضاف: “ففلسطينيو الداخل حينما يرغبون في زيارة مصر يدخلون بالجواز الإسرائيلي، بينما الفلسطيني من غزة أو الضفة الغربية قد لا يستطيع الزيارة، فعندما تحمل الجواز الإسرائيلي تحصل على امتيازات في الدول العربية، ولو كان لديك جواز فلسطيني تُعامل بوصفك لاجئاً ومشرداً”.
وأوضح بشارة، أنه يعتبر عدم زيارته مصر خطأ كبيراً؛ لأنه حرمه من إمكانية التواصل مع الشعب المصري.
العربي الجديد
