
ضريبة إحترام إنسان
علمتنا قصص التاريخ إستحالة معرفة الإنسان ، وأطلعتنا على لا محدوديته وفوضى مشاعره وأن أي تناقضات وأي أعماق لا يمكن بلوغها ؛ تكمن في النفس الإنسانية ، وأنه من الصعب جداً التنبؤ بتصرفاتها؛
فالصبي الذي ناداه أبوه للذبح امتثل، والشاب الذي طلب منه أبوه ركوب السفينة آثر الغرق ، عمر الصنديد .. الصلب كالصخر صار مع الخلافة أحن على الناس من أم ، يطبخ بيديه طعاماً لإطفال جياع ويخشى أن تتعثر دابة عند شاطئ الفرات فيسأله الله لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر .
ما أقصده عزيزي أن الأفعال عادة ما تكون ذات طبيعة نفعية، تخضع للمصلحة والمنطق والظروف ، لكن ما ورد سابقاً يثبت أن الناس يفاجئونك أحياناً … أما في يومنا هذا ؛ فهم لم يعودوا يفاجئونك بقدر ما يفجعونك !
أحدهم .. بكى ذات مرة وهو يحدثنا عن إمرأة دخلت النار في هرة ، نفسه .. نعم نفسه ذاك الباكي شفقة على هرة يخطب بالجيش المصري محرضا على قتل المتظاهرين في رابعة تحت مسمى تنفيذ سلطات عليا !
ذاك المسؤول الجالس على كرسيه في بذلته الفخمة متعهدا طيلة النهار على حماية كرامة السر والغاية السامية من وجوده على هذا الكرسي تجده ليلاً ذا وجه أصفر أو قل ضارب إلى خضرة قد ورّمه الشراب !
كم من شاعر ينهي مشاعره عند أول نقطة من قصيدته ثم يلتفت صارخاً على أهل بيته !
في الحقيقة هؤلاء أناس فقدوا الإيمان .. تخلى عنهم الإيمان وتركهم ، ليس الإيمان بالله فحسب بل الإيمان بالحب ، بالصدق، بالإنسجام، بالسعادة العامة، بالمغزى والغاية من وجوده في هذا الركن خاصة … -أي بمعنى آخر- أن بداخل كل منهم نور ؛ منهم من يستطيع العثور عليه حتى وإن فات الآوان ، ومنهم من يتلذذ بالظلمة التي تحتويه .. !
ارجوكم اخرجوا لنا من الأنوار التي في أعماقكم، انيروا للذين رأوا فيكم ظلمة محضة ، علموهم درساً في البصيرة ، فبلادنا تهشمت من كثرة السواد ..

