
الطفولة بين ازقة الحرب
أقف على حافة الأوطان متسائلا … مستغربا … مستنكرا لما آل اليه حال الأمة الاسلامية من ضعف و تفكك ، و نحن قد قرأنا ، اذا قرأنا في التاريخ أن الأمة العربية أمة عزيزة ، عصية على الأعداء و الطامعين ، و أنها أمة ذات عراقة و مهد الحضارات السابقة ، منها انبثقت المعارف و العلوم التي قادت الانسانية للتحضر و المدنية الحديثة .
و اليوم أرى ما أرى من صراعات بين الدول العربية بعضها بعضا و تكالب شعوب الأرض عليها كاملة تنهش لحمها و لحم أبنائهاو قد غدت بلا حول ولا قوة في رد العدوان عن أرضها المستباحة لكل من هب و دب ، و للدفاع عن أبنائها الذين يقتلون شيبا و شبابا و أطفالا كالأنعام بلا رحمة ولا ضميرو كأن الانسانية تقف حدودها عن حدود الأمة العربية .
مشهد الطفلة التي تصرخ و تحاول الاختباء من قذيفة و تبكي و فجأة تصرخ : ” أنا حية … أنا حية ” جعلتني أقول في نفسي ” نعم يا صغيرتي و نحن أحياء أيضا و لكن قلوبنا ميتة ، نرى ما تعانين منه و نبكي و كأننا ببكائنا سوف ندفع تلك القذيفة و نمسح تلك الدمعة و ذاك الألم ” .
أمام هذا المشهد ينتابني شعور رهيب من الخوف و الفزع و تتبادر الي ذهني المشتت أسئلة عديدة … ما ذنبها ؟ ماذا جنت يداها لتستحق كل هذا العذاب ؟ أين العروبة و العرب ؟ ما بال هذا العالم لا يحرك ساكنا اذا ما تعلق الأمر بأطفال العرب بينما تقوم الدنيا ولا تقعد اذا تعلق الأمر بقططهم و كلابهم المدللة ؟ ألهذا الحد أصبح الدم العربي رخيصا !.
أمام هذا السيل العارم من الأسئلة ، الدمعة لا تفارق عيني عندما أرى عيون الأطفال تدمع … تعاتبني و كأنها تقول أين انتم و أين العروبة ؟ .
أغلق التلفاز لا أريد مشاهدة المزيد كيف لي أن اتناول الطعام و هم بلا طعام و أن أشرب و هم بلا ماء و أن أنام و هم بلا مأوى .
لهول ما أرى و يرى جيلي من الشباب الذي لا حول له ولا قوة أصرخ و بأعلى صوتي مستنجدة و مستغيثة ” استيقظوا ايها العرب فان سباتكم قد طال ، هل ماتت منك النخوة و المروءة العربية ؟ فان لم تستيقظوا الان فأظن ان الوقت قد حان لنعلن و فاتنا و لكن هل سندفن في مقابر الكرامة و المجد ؟ و بأي كلمات سننعى…
و دمعة أم منهمرة على طفلها تحت أنقاض الدمار لا تفارق مخيلتي ، توقد ألما في قلبي يحرقني ، تشعل نار الحقد و الكراهية و الانتقام من قتلة البراءة و الطفولة ، أعداء الانسانية العربية .
حين يقال لها ابنك شهيد ، فلا تصدق و تضحك ضحكة مجنونة يعتريها رعب لا يحتمله قلب و بشر ، و تظن بل تتمنى أن الأمر مزحة ، عذرا منك يا أم الشهيد فليذهب لخالقه و يشتكي عن اهمالنا و عدم اكتراثنا لما تعانين .
ما ذنب الأطفال العرب ليحرموا من حق الطفولة و البراءة ؟ كبروا قبل أوانهم على دوي المدافع و القذائف … ضاعت آمالهن قسرا ، و غادرت البراءة قلوبهم قهرا ، و دفنوا أحلامهم سرا .
فها هو الطفل العربي يقف أمام أسلحة العدو و فوهة البندقية مغروسة في صدره ، ممسكا بيده حجرا صغيرا ، قلبه كقلب أسد يقف وقفة رجل أمام العدو يدافع عن عروبته و وطنه و طفولته ايمانا منه بحقه بعيش كريم ، و نحن جالسون خلف شاشات التلفاز نشاهد و نبكي ..!
هلموا بنا فان السيوف ملت أغمادها تريد أن تقف على رقاب اعدائها ، فنحن في زمن تجرد فيه العدو من المشاعر و انتشرت اللانسانية و الوحشية و الاستبداد .
أقول و الحسرة تعصر قلب لقد اغتصبوا العروبة و انتهكوا الطفولة و سلبوا الأوطان و نحن مفككين كل على حده نباع بسوق النخاسة قطعة قطعة بأبخس الأثمان فالي متى ؟؟
و عجبا صرنا نسير على نهج أعدائنا ، نطبقه جملة و تفصيلا ، يقتل بعضنا بعضا نيابة عنهم فقد استطاعوا ان يغرسوا في قلوبنا الكره و الحقد لبعضنا البعض ، و غرسوا فينا الطائفية و القبلية لابعادنا عن هدفنا السامي و هو الدفاع عن أوطاننا و أعراضنا.
و في القريب العاجل سنتلقى صفعة قوية توقظنا من غفوتنا اللامتناهية و لكن هل سنصحو ؟ و هل ستعود نشوة الانتصار لنا ؟ أم سنبقى ساكنين نشاهد تصرفات الأعداء البغيضة و نصفق لهم ؟ …