في سجن الجويدة (٨) / النزيل : محمود الشمايله

في سجن الجويدة (٨)

اوطان مهربة

يقول الأديب الشاعر رسول حمزاتوف.. .
شيئان في هذه الدنيا يستحقان المنازعات الكبيرة ..

وطن حنون وامرأة رائعة….

مرة أخرى الوذ الى الزوايا المعتمة بعد أن صفعني أحد النزلاء بسؤاله المدهش ، ، ،( كيف هي أحوال الوطن في الخارج)؟

كان وجهه كمحموم يهذي بعد أن تعلق قلبه بكلمة … لعلها تشفي فضوله.
قلت: منذ متى وأنت موقوف ..
قال : لغاية السنة الرابعة كنت اعد الأيام
….. بعد ذلك توقفت عن العد ولم يعد امر الزمن يهمني .

ابتسمت في وجهه بفائض من الصمت ، عرفت بعدها انه موقوف على ذمة قضية قتل ما زالت في المحاكم ولم تفصل بعد ..
تركت الرجل غارق في احزانه وانا اتخذت طريقي إلى أبعد نقطة عند السؤال .
كيف هي أحوال الوطن في الخارج .
ما بين المهاجع اراقب حركة القط السمين الذي بلغ من العمر عتيا ، قالوا انه ولد في هذا المكان وعاش فيه دهرا ، أشفق عليه حرس السجن واخذوه إلى خارج السجن غير أنه تسلق الجدران وتجاوز الاسلاك الشائكة وعاد إلى ذات المكان ، تكرر ذلك عدة مرات حتى تركوه يعيش في سلام ..
هكذا أخبرني الرجل صاحب السؤال ( ما هي اخبار الوطن في الخارج) ؟!
في السجن … حتى تتجاوز الألم عليك أن لا تفكر فيه.

بعض الأسئلة تضعك في مواجهة أحزانك دفعة واحدة .
ما الذي جعل القط يعود إلى السجن بمحض إرادته.
لا شك أن السجن يشكّل وطن لا يعرف غيره، وطن يألف جدرانه وسكانه وحتى أحزانه.

سألني ابو مشعل الذي اقتحم وحدتي …وهو يحمل القط ويمسح على ظهره بكامل بكامل لباقته.

لماذا يرفض هذا القط الخروج من هذا المكان القميء؟!

قلت: يا أبا مشعل هل امك جميلة؟!
ضحك ابو مشعل وهو يجيب: يا محمود امي امرأة مسنة حفر الزمن على وجنتيها ملامح البؤس والشقاء.

قلت: ولماذا تحبها اذن؟
قال : ببساطة لانها أمي.

قلت : هكذا هي الاوطان ، نحبها فحسب ، بلا أسباب.
تماما كامهاتنا…
حتى لو جارت علينا ولفضتنا.

في وطني كل شيء منهوب ، مسلوب ، قتلوا احلام الشباب ثم داسوا عليها ، العدالة حلم يراودنا ، ،، ، كدسوا جثث شباب بعمر الزهر في السجن كما كدسنا شهادتنا الجامعية في إدراج منسية ونحن نفكر بوظيفة بائسة لا تسمن ولا تغني من جوع.
انتشرت المخدرات بفعل فاعل ..
انهم يتحدثون عن الإصلاح كي يعيثوا في الأرض فسادا.
حتى صار الوطن كزوجة آب قاسية لا ترحم .
وصار الوطن سجن كبير يملكك ولا تملك شيء فيه.

غير انك لا تملك القدرة على مغادرته ..
انه يسكن فيك ، يحتلك ، يزهر في دواخلك كالدحنون، يتمايل فيك كسنابل القمح، يشرق في ابتسامتك ولون عينيك، يرسم ملامحه على سمرة وجهك وتقاسيم الأمل في روحك، حتى يشبهك حد التطابق.

لهذا فقط نحب أوطاننا ونعشقها، فتصير الأسباب محض هراء…..
اننا لسنا بحاجة لأن نفسر أسباب عشفنا للوطن.

نحن فقط بحاجة إلى أن نبكي أوطاننا حتى لا تغادرنا على حين غفلة ….
هل عرفت لماذا يصر هذا القط على البقاء هنا؟
السجن حنون يا صديقي .
والوطن ام رائعة وان جادت علينا بالضرب فهي حنونه…
حنونه إلى الحد الذي يجعلك تعانقها كلما صفعتك في اليوم الف صفعة …..
كنت أظن أن ابا مشعل قد تجاهل حديثي ، ، ، حين عرفت انه ترك القط وراح ينظر إلى باب السجن …

دمعة هاربة لم يستطع ابو مشعل أن يخفيها ارتكبت جريمة بحق وجنتيه.
وانا لذت إلى الصمت حتى لا أفسد حزنه.

لم يكن هذيان ، ربما كان قلب ابو مشعل يتكلم …
قال ( اشتقت إلى امي )
لقد كانت امرأة رائعة حقا.
رحمها الله.
الان عرفت لماذا تصدر جدران السجن كل هذا الأنين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى