
ما بعد الإسلام السياسي ..انشقاقات.. ومنطق اللامنطق!!
احتفى البعض بترخيص الحزب الثاني لمنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين، مبدين تفاؤلهم بتغلُّب بعض شخصيات التيار الإسلامي على مشكلاته الداخلية وتجاوزها، والتحاقهم بركب “ما بعد الإسلام السياسي”، حيث القيم المدنية والديمقراطية والهوية الوطنية، والتعدديات والحريات بأنواعها !!
لكن من الإنصاف أن نعرض للأمر من وجهة نظر مقابلة، تعكس اتجاه المشهد، وتجعله أكثر وضوحا، وتزيل الالتباسات الناتجة من فرضيات تُطرح كمسلمات في ميدان الحياة، وتدافع قواها.
فمصطلح “ما بعد الإسلام السياسي” -على افتراض صحّته والتسليم به- يبدو غير منصف ابتداء، لأن هذا الإسلام لم يأخذ فرصته ليثبت جدواه، ولم يُمكّن من تقديم تجربته ليتم محاكمته على أساسها، بل تم التآمر والانقلاب عليه في كل ميادين وجوده، بدءا بالتجربة الجزائرية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وانتهاء بالتجربة المصرية عام 2013م، واللتين أجهضتا بصورة دامية ظالمة، لا أخلاقية، توطأت عليها قوى الإقليم والعالم إلا قليلا!!
هذا إذا علمنا أن مصطلح الإسلام السياسي نفسه، مصطلح مختلَق طارئ، لا يعرفه الإسلام، بل لا يعترف به؛ لأنه في حد ذاته إنما جاء وتم تكييفه؛ ليكون ذريعة للقوى المناوئة للإسلام كدين، كي تعوقه وتُبرّرَ عزله، بل تستبيح حرمات حامليه الإنسانية والمالية والمدنية والسياسية بوحشية!!
إن الإسلام عند أتباع الإسلام -لا التيار الإسلامي وحسب- دين ينتظم شؤون الحياة بكل تفاصيلها، والسياسة هي محوره وقطب الرحى فيه، فقد جاء لتربية الإنسان وتنقية الوجدان، توحيد الميزان، وضبط إيقاع الحياة على مقياس النص الثابت في القطعيات، والمصلحة في الضروريات والحاجيات والتحسينيات المستجدات.
الإسلام بهذا المعنى عقيدة خالدة تحكم التصرف في كل تفصيلات الحياة، لا مجرد أيديولوجيا تقادم عهدها، وصارت عبئا يعوق النهوضَ، لذا يتوجب على أتباعها الاستغناء عنها، كاستغنائهم عن الطاحون الحجري لصالح الخلاط الكهربائي بعد اكتشافه!!
إن الزعم بأن الإسلام يصادم قيم الحداثة، ويضيق عن استعاب مكونات المجتمع، في بيئة مدنية متجاوزة للأيدلوجيا، زعم لا يثبت أمام السياق العملي لأنصار الاتجاه الإسلامي، المتهم بالجمود وعدم المرونة، كونهم خاضوا غمار التجربة المدنية على مقاييس زاعميها، وفازوا في أجواء التنافس الطبيعية أو المزورة، وأثبتوا وجودهم، وكانوا شركاء لكل الأقليات الإثنية والدينية ومعهم المرأة والشركسي والنصراني، رغم ضغوط السلطات المتحكمة بالزمام.
إن المنطق الذي ينطلق منه القائلون بفرضية “ما بعد الإسلام السياسي”، والفلسفة التي يبشرون بها، لتقرير الواقع الجديد، هي في حد ذاتها أيديولوجيا، لها منظروها ورُعاتها وأنصارها، وهم يُبيحونها لأنفسهم، ويطالبون الإسلامي بالتخلي عن أيديولوجيته، والإيمان بأيديولوجيتهم والانخرط فيها، كي يتم قبوله، واستيعابه في إطارها، وهذا منطق أعور، جائر، داحض، متعددُ المكاييل!!
إن الإسلام الذي قرّر الحرية الدينية بقاعدة: {لا إكراه في الدين} والحرية الشخصية والسياسية بـ:(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار) وقضايا المرأة في الحق والدور بميزان: (النساء شقائق الرجال)، ومسؤولية المجتمع أفرادا ونخبا وحكاما وساسة بـ: (كلكم راع وكلكلم مسؤول عن رعيته)، وعمم العدالة مطلقة لكل مكونات المجتمع بـ:{ وإذا حكمتم بين “الناس” أن تحكموا بالعدل} و{ولا يجرمنكم شنآن “قوم” على أن لا تعدلوا}، وقرر السلمية في العلاقة وبناء الصلح ووضع النزاع بقوله: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} و{ (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ ولاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً}، وجعل الشأن الدولي(الروم والفرس) في بؤرة اهتمام أتباعه، حتى قبل أن تقوم لهم دولة، وهم في ذروة الاستضعاف في العهد المكي بـ:{ غلبت الروم في أني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله} إن هذا الإسلام لا يمكن أن يتم شطبه أو تجاوزه، أو الطعن في قدرته على أن يكون المرجعية المطلقة للحياة المدنية!!
بل على العكس من ذلك، فإن الذين يؤمنون بهذه القيم، والتي هي العمود الفقري للحياة المدينّة المزعومة، والتي هي إسلامية الأصل وجودا واستمرارا – إن الذين يؤمنون بها كدين وعقيدة وعبادة، هم الأقدر على صونها وحمايتها ورعايتها، من أولئك الذين يرونها تطورا طبيعا جاء بحكم ارتقاء المجتمع، وتنامي المعرفة، وتراكم التجربة!!
إنه لمن الصادم حقا أن نجد مفكرين مسلمين –عدا أن يكونوا إسلاميين – يؤمنون بهذه الخزعبلات، بعد أن أسفر الربيع العربي عن طبيعة المواجهة، والتدافع الحاصل في المنطقة، وأسقط الأقنعة، في مستوى الدول القطرية القائمة على الاستبداد، ومستوى التيارات الفكرية العلمانية واليسارية والليبرالية، ومستوى القوى الإقليمية والدولية تتزعمها أمريكا وإسرائيل، والتي تضع مجتمعة هذا الملف – ملف الإسلام كدين- موضع الاستهداف، وفي رأس أولوياتها، شيطنته وتأجيج العداء له، وخاصة الأخيرتين منهما وهما تستعلنان بمرجعيتهما الدينية ومنطلقاتهما العقَديّة، في تسويق إجراءاتهما في القدس والقضية الفلسطينية، بينما نجد هذه الحالة من الهذيان، مبشّرة بتجاوز -ما يُسمى زورا- بـ ” الإسلام السياسي” عابرة نحو الهويات الوطنيات الفرعية البالية، رهينة قوى الاستكبار العالمي، وأسيرة محاور التغالب النفعي قَبَليّةً أو عائليّةً أو إقطاعيّةً، بينما الخصوم يدشنون الأحلاف والتجمعات بمرجعياتهم الدينية: توراتية إنجيلية أو وثنيّة!!
a_dooory@yahoo.com
