هذيان من وحي موت.. لا تتركوا العصافير وحيدة بأقفاصها…. 2…

[review]لا تتركوا العصافير وحيدة باقفاصها 2
ركضت مسرعاً وقفزت من فوق المبنى.
ارتفاع المبنى جعلني أشعر بقرب الغمام، والمسافة التي تفصلني عن لمس السماء ليست ببعيدة، فتحت ذراعيّ وحاولت أن أحلق، رفرفت كما كان يرفرف العصفور بجناحيه لكن شيئاً كان يسحبني إلى الأسفل، تمر من فوقي أسراب حمام، حاولت مرة أخرى لم أتمكن، كأنني كنت أحتاج إلى ريش وجسم خفيف.
كنت أفكر وأنا أهوى إن كان بإمكاني أن أصل إلى الأرض كما أشتهي، وتذكرت أن قدميَّ تحملانني حين أقف وأمشي، لذلك علي أن أصل بقدمي أولاً وأن أبعد رأسي عن الشارع الإسفلتي الصلب والرصيف القاسي، وعليَّ أن لا أصل متمدداً فيرتطم بالأرض كل جسمي، لكن سؤالاً قفز إلى رأسي: ما الفرق؟! وأنت من قفز من فوق المبنى دون أن يفكر في المعنى؟! هل تحاول أن تعود للحياة مرة أخرى؟! أم أنك قفزت لتلحق بالعصفور؟! أم أن الحزن حملك على غير هدى؟! صمت طويلاً وأنا أفكر بهذا السؤال اللعين، وتساءلت: هل بإمكاني أن أعود إلى السطح؟!
نظرت إلى الأسفل، كان الناس يرفعون أعناقهم إلى الأعلى، سمعت صراخاً، ومر من جانبي دعاء يحمل ملامحي يرتفع من دون أجنحة،
واختلط في نفسي المعنى. درت في الجو حول نفسي غيرَ مرة فأصابني دوار.
ظهر العصفور بحجم غيمة كبيرة وقوس قزح يلون ريشه، كان ينزل بسرعة وهو يصوب بصره نحوي، حدقت به، كان يشبه وجهاً أعرفه ويعرفني، ابتسمت لكن الجوع كان يطفو فوق صمته، “لست أنا!” قلت له، ولا أعرف إن كان يسمعني، أو أنه لا يفهم لغتي، كنت أقترب من الأرض وهو يزيد من سرعته، فهمت أنه يريد أن ينقذني، فتذكرت الشرطي الذي فتش كل ملابسي، وسألني عن التهمة، وضحك بازدراء حين قلت له: لا أعرف! وجاء صوت صديقي كالنشيد في طابور صباحي لمدرسة قديمة في ذاكرتي: (كان يسري الصبح بكير قبل صحو العصافير، ينشل ميه من هالبير للحقل حتى يسقيه). والعصفور يسألني بصوت غليظ: وأين كانت حصتي؟! حاولت أن أقول له إن جدي هو من كان يقسم الحصص، لكن الأرض اقتربت أكثر، ومد جناحه يحاول أن يمسك بي وأنا أشد بجسمي إليه، لكن المسافة كانت أبعد من أن يمسكني، فانتبهت، أريد أن أنزل على قدمي، لكن السرعة ازدادت فالتففت غيرَ مرة وما عاد بإمكاني أن أهبط كما أريد، ولا أذكر أبالطول أم بالعرض ارتطم بالشارع الصلب جسدي وجاء رأسي على الرصيف القاسي.
أرعبني تناثر دماغي ودمي في الطريق، حاولت أن أصرخ، لم أتمكن، وكأن صخراً حط على صدري، أردت أن أتحرك، شعرت أنني مقيد،
ومرة أخرى أجهشت بالبكاء فصحوت، والعصفور ممدد على كفي، كنت ما زلت أبكي هناك، فركضت مسرعاً، ومن فوق المبنى قفزت

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى