بلدٌ ينجو فيه المستثمر من “وحوش الخارج”… ويقع فريسة لـ“تعقيدات الداخل”!

بلدٌ ينجو فيه #المستثمر من “ #وحوش_الخارج ”… ويقع #فريسة لـ“ #تعقيدات_الداخل ”!

بقلم: أ.د محمد تركي بني سلامة

في عالم الأعمال، توجد ثلاث درجات من الصعوبة:
الأولى… أن تنافس.
الثانية… أن تنجح.
الثالثة… أن تحاول الاستثمار في أماكن تُدار فيها الإجراءات مثل الأحجيات، وتتحرك فيها المعاملات بسرعة سلحفاة تعاني التهاب المفاصل!

ولأن السخرية أحيانًا أبلغ من الجد، دعونا نبدأ القصة من رجل اسمه زياد المناصير… رجل صنع ثروته في أسواق خارجية لا ينقصها الشراسة، وواجه فيها من “الضغوط” ما يكفي لكتابة مسلسل من خمسة أجزاء. بيئات فيها من التعقيد ما يكفي لقياس صبر أي مستثمر، ومن المنافسة ما يحتاج إلى أعصاب فولاذية.

مقالات ذات صلة

ومع ذلك… نجا، ونجح، وتفوّق.

لكن المفاجأة ليست هنا.
المفاجأة الحقيقية أنه حين عاد ليستثمر في وطنه، اكتشف أن أصعب المعارك ليست هناك… بل هنا!

فمن كان يظن أن كل تلك التجارب الخارجية التي تجاوزها الرجل ستبدو، مقارنة ببعض تفاصيل بيئة الاستثمار المحلية، أشبه بـ… “رحلة استجمام في منتجع خمس نجوم”؟

يا لها من مفارقة تستحق الضحك… لو لم تكن مؤلمة.

فنحن لا نتحدث عن مافيات ولا عصابات، بل عن نظام إداري إذا حاولت فهمه، فإما أن تفقد صبرك، أو أن تحتاج خريطة ومرشد سياحي ودليل إرشادات طارئ.
قرارات تتغير بالطقس، وإجراءات تختلف من نافذة لأخرى، وتعليمات لا يفهمها إلا من كتبها… وربما حتى هو غير متأكد منها!

وإذا جرّب مستثمر كبير أن يفتح مشروعًا، يدخل في متاهة تبدأ بـ “تعال بكرة”، وتمرّ بـ “الملف عند فلان”، ثم “راح فلان”، ثم “ارجع بعد العيد”، وتنتهي بأن يشعر المستثمر أن الاستثمار خارج البلاد… أكثر استقرارًا من الاستثمار فيها!

والمضحك المبكي أن ما يقوله المناصير اليوم لا يفاجئ أحدًا.
فالناس يعرفون، والقطاع الخاص يعرف، ومن حاول فتح مشروع بسيط يعرف… ويعرف جدًا.
لأن القصة ليست قصة رجل واحد، بل قصة وطن يخسر—وبسخرية القدر—مئات الفرص التي يمكن أن تتحول إلى مصانع، وشركات، ومشاريع، وآلاف الوظائف.

لكنها تضيع… ليس بسبب نقص الأموال، بل بسبب نقص الوضوح.
ليس بسبب ضعف المستثمرين، بل بسبب قوة التعقيد.
وليس بسبب صعوبة الخارج، بل بسبب سهولة “تعطيل الداخل”.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

بلدٌ يملك موقعًا استراتيجيًا، وعقولًا نادرة، وطاقات بشرية هائلة… ثم يخسر الاستثمار لأن “معاملة” تُعرقل أو “صلاحية” تتداخل أو “إجراء” يُساء فهمه.
وكأننا نقول للمستثمر:
“ابدأ مشروعك… إن استطعت!”

السؤال الذي يطرح نفسه—ساخرًا وموجعًا في آن واحد—هو:
إذا كان من تجاوز عقبات بيئات أعمال شرسة يجد الاستثمار في وطنه أصعب… فماذا سيقول المستثمر العادي؟

أليس هذا وحده كافيًا لندرك أننا بحاجة إلى إصلاح جذري… لا تجميل سطحي؟

إن الأردن لا تنقصه الفرص… بل تنقصه القدرة على عدم قتل الفرص.

ولا ينقصه المستثمرون… بل ينقصه حماية المستثمر من الغرق في ورق لا ينتهي.

ولا ينقصه الطموح… بل ينقصه نظام يعامل الاستثمار كطوق نجاة لا كمعاملة تحتاج عشرة أختام وثلاثة توقيعات ومزاجًا رائقًا.

فهل نضحك… أم نبكي؟
ربما نفعل الأمرين معًا.
فالواقع يضحكنا من شدّة الألم، ويؤلمنا من شدّة السخرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى