وصفات صندوقية / يوسف غيشان

وصفات صندوقية
ليس الأمر بالصعوبة التي تتوقع ، فما عليك عزيزي المواطن سوى التعاقد مع مستشفى محترم ، حيث يحدّد لك الاختصاصّيون الأميركان جدولا زمنيّا بالعمليات الجراحية حسب اللوائح والتعليمات المتفق عليها ، وبأفضل المواصفات العالمية .
في العملية الجراحية الأولى يُحدثون لك فتحة مؤقتة في البطن ، ويشرعون فورا في استئصال أجهزتك الداخلية … الزائدة الدودية ، الكبد ومخلوقه الأخضر الصغير ، البنكرياس ، الطحال ،وتلك الغدد القابعة بوقار مزيف فوق الكليتين .
بعد ذلك يشرعون في استئصال الجهاز الهضمي على مراحل : المعدة ، الاثني عشر، الأمعاء الدقيقة ، المستقيم ، القولون ، كما يستأصلون أيضا : الجهاز البولي والمثانة ، وكلّ تلك القنوات اللعينة التي لا هم لها سوى تحويل الماء القراح والمشروبات الثمينة إلى بول نتن .
الآن ، صارت بطني طبلا فارغا ، حتى أكاد – حين أتجرّع السوائل- أسمع صوت قطرات الماء وهي تصطدم برقّة في بطانة مؤخرتي ، محدثة دويّا جميلا ، مثل ذلك الدوي الذي نسمعه عند إلقاء الحصى في بئر عميقة .
وقد أكد لي مندوب البيت الأبيض ، الذي موّل العمليات بأنني ، وبعد قليل من التدريب ،سوف أستطيع الغناء والصفير والتكلم من مؤخرتي .. وربما تعاطي العلكة أيضا … وبذلك أحصل على متنفس آخر أستخدمه للتعبير عن نفسي بكلّ حرية وديمقراطية وسؤدد.
وقد سألت المندوب إذا كنت أستطيع الزغردة من هنا أيضا ، لم يفهم ما قصدت ، لكنه ابتسم بدماثة وقال :
– إذا التزمت بالبرنامج فإنك تستطيع أن تفعل ما تشاء.
فوائد جمّة اكتسبها جسدي الموقر جرّاء هاته العمليات ، وأنصح كل واحد منكم أن يخضع لها ، دون أن يخشى المضاعفات ، فهي غير موجودة أصلا .
تأكدوا أيها السادة بأنه لن يأتي ذلك الزمن السعيد … زمن العولمة بلا مشاكل إلا وتكون هذه العمليات تجرى مجانا للجميع ،على حساب الدولة الأعظم أو من ينوب عنها ، وسوف تكون العمليات سهلة ومأمونة كالطهور أو أكثر أمانا .. وسوف تمسي أوسخ شتيمة تطلقها في وجه مواطن هي بأن تنعته بأبي الاثني عشر أو ابن البنكرياس أو صاحب الكبد .
لا مشاحة في أنّ البواسير ستصير مرضاً منقرضا ، يذكر فقط للتفكّه على أجدادنا الأوائل الذين كانوا يعانون من مغبّة الجلوس بوقار مزيف ، بينما الألم يمزق مؤخراتهم ببطء وإصرار وترصد.
طبعا لن تُفرى مرارة أحد بعد الآن لأنه لا يحتوي على مرارة أصلاً ، ولن يعاني أحد من جوى الحنين على فلذة كبده الذي يمشي على الأرض ، لأنّ المواطن آنذاك لن يعرف ما هو الكبد أصلا .
….وليس آخرا ،
هل خطر ببالك عزيزي ، التساؤل حول سبب عدم استئصال القلب والرئتين والدماغ وكائنه المشاغب (الضمير) ؟ … والحقيقة أنني طلبت ذلك من المندوب ، لكنه أكد لي وهو يطبطب على كتفي ، بأنّ العلم الحديث لم يتمكن بعد من الإبقاء على الإنسان حيّا وصالحا للاستهلاك بدونها .. لكنه أكّد لي ، أيضا ، بأنّ هذا الأمر سوف يحصل قريباً … قريبا جدا.
من كتابي(لماذا تركت الحمار وحيدا)الصادر عام2008

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى