
مفهوم الأمن المجتمعي
في الإسلام
منذ أن نشأت المجاميع البشرية، كان الهم الأول هو تحقيق العدالة في المكتسبات بين الأفراد، لكن ذلك لم يتحقق في أية لحظة تاريخية، بسبب أن الأقوى كان كان يستأثر بأضعاف حصص الضعفاء، ولم تتمكن التشريعات البشرية من إنصاف المظلومين إلا بالحد الأدنى الذي لا يحقق المساواة وإنما يبرر طمع المستأثرين ويشيع صورة موهومة للعدالة، لكي يتحقق الأمان ويسكت المظلومون فلا يتمزق النسيج المجتمعي وتسود الفوضى.
فمنذ ان اكتشف الإنسان الزراعة، ونشأت الحاجة الى المقايضة، انتقل المجتمع البدائي الى المجتمع المدني، تأسست الحضارات البشرية على ضفاف الأنهار، لكن ذلك صاحبه تملك البعض للأرض، أو استئثارهم بالأوفر انتاجا، أو استغلالهم لجهد غيرهم، لذلك غابت العدالة، وبمرور الزمن صار لهم قانون يحميهم من كل عقاب، ويحافظ على مصالحهم، ويقر بشرعية الفروق المادية بين الفئات الاجتماعية، فتحولت هذه الفروق بالتدريج الى فروق معنوية أصيلة، ونشأت الطبقات.
هذا الظلم والإستغلال أسس لتمرد المظلومين على النظام المجتمعي، وتعرض الأمان للخطر، وهذا ما هدد الإستقرار والرخاء، فنشات الحاجة الى استرضاء هؤلاء المضطهدين، وتطمينهم بتشريعات بشرية لتحقيق شيء من العدالة.
لا نعرف في الحقيقة حدودا فاصلة في أصل تلك التشريعات، هل هي استجابة لتلك التهديدات للأمن المجتمعي، أم هي مما بقي من تشريعات إلهية أنزلت على أنبياء قديمين، وغياب التدوين والتوثيق أضاع الأصول.
ففي شريعة حمورابي التي ظهرت في عام 1790 قبل الميلاد يقول في مقدمتها: “ان الآلهة أرسلته ليوطد العدل في الارض، وليزيل الشر والفساد بين البشر، ولينهي استعباد القوي للضعيف، ولكي يعلو العدل كالشمس وينير البلاد من اجل خير البشر، ويجعل الخير فيضاً وكثرة”.
ورغم أن الرسالات السماوية الأخيرة عالجت هذه المسائل، إلا أن الرسالة الأخيرة (الإسلام) تبقى التشريعات الأكمل والأشمل، فقد اهتمت بمسألة تحقيق العدالة الاجتماعيّة من خلال منظومة متكاملة شاملة لجميع جوانب حياة النّاس، فالإسلام يؤكّد على مبدأ التّشاركيّة والمساواة في الحقوق من خلال التأكيد على شراكة النّاس في أهمّ موارد البيئة وهي الماء والكلأ والنّار.
وفي كتاب “العدالة الإجتماعية في الإسلام” لسيد قطب، يتفق جميع الباحثين (حتى من يخالفونه بسبب انتمائه السياسي)، على أنه استوفى كل عناصر توضيح هذا المبدأ، فيقول د. فهمي جدعان عنه: ” انطلق سيد قطب في هذا الكتاب من فكرة ” الوحدة المتكاملة ” في سائر أجزاء الكون, و هذه الوحدة لا تعني توحيد الله و توحيد الأديان في دين الله و حسب, و إنّما تعني الوحدة بين القوى الكونيّة السياسيّة جميعا, و الوحدة بين العبادة والمعاملة, و بين العقيدة و السلوك, و بين الروحيّات و المادّيّات, و بين القيم الاقتصاديّة و القيم المعنويّة, ومعنى ذلك أنّ العدالة الاجتماعيّة في الإسلام عدالة إنسانيّة شاملة لا عدالة إنسانيّة محدودة, و هكذا يعتقد قطب أن الأسس التي يقيم عليها الإسلام العدالة ترتدّ إلى ثلاثة : التحرّر الوجداني المطلق, المساواة الإنسانيّة الكاملة, التكافل الاجتماعي الوثيق”.
لقد توصلت الحضارة الغربية في تطورها الى إيجاد تشريعات تناولت حقوق الأفراد الإقتصادية والمعنوية، فحققت أمنا مجتمعيا داخل مجتمعاتها، إلا أن إفراطها في التركيز على الجانب الإقتصادي، جعل تحقيق الرفاه هو مفتاح الأمان وضابطه، فصار اهتمام الساسة منصبا على التفوق العسكري لأنه الضامن الوحيد لازدهارها الإقتصادي. لذلك لا يصح تطبيق هذا المنهج على المستوى الإنساني، فلا ينجح إلا في المجتمع الأقوى.
لذلك نلاحظ أن حضارة الغرب المؤسسة على احتكار القوة حولت العالم الى طبقتين: فالمجتمعات الغربية ككل تمثل طبقة الإقطاع القديم، والشرقية هي طبقة الأقنان، أو الشمال هم السادة والجنوب مستعبدون.
هذا هو الفارق الجوهري بين التشريع الإلهي ممثلا بالإسلام، والبشري ممثلا بالرأسمالية.

