“خمس ليرات” / د. محمد شواقفة

“خمس ليرات”

في نهاية الثمانينات ….ايام العز و الجهل و النبرة الكبيرة و البساطة ….. .. اشتريت نصف ورقة يانصيب…. و بلحظة وقف الحظ لجانبي في حالة نادرة ….و اكتشفت ان ورقتي فازت بعشرين ليرة ….حسب قائمة الارقام المنتهية …. وما بين فرحتي الغامرة و عدم تصديقي ….لم تسعني الدنيا من الفرحة …. فهذه اول مرة في حياتي اربح اي شئ …. و بدأت رحلتي مع الحظ و المخططات التي قد لا يتسع منشوري هذا لذكرها …. توصلت الى ان استبدال قيمة الجائزة ممكن فقط في مبنى اتحاد العام للجمعيات الخيرية في العاصمة الحبيبة …. و هذا لم يكن بالامر السهل او ربما الممكن ابدا ….و اخبرني احد المتمرسين في شؤون المال و اليانصيب ان هناك احد الحلاقين في شارع بغداد يستطيع ان يستبدل هذه الورقة بقيمتها المادية … و بالفعل ذهبت إليه لأجد أن قيمة ورقتي الفعلية هي عشرة دنانير …لأنها نصف ورقة … و لكنه أعطاني خمسة دنانير فقط …. و لم يكن لي بدا من القبول و الرضوخ …. و انتهت مغامرتي مع الحظ بخمسة دنانير !!!
كنت عائدا من الخليج في احد زياراتي للاردن في نهاية الالفينيات ……ايام الطفر و البهدلة …. و لم يكن معي سوى حقيبة سفر واحدة … من النوع الذي تجره خلفك …. و طبعا ابحث بعيني بكل لهفة عن الباص الذي يقلني لمجمع العبدلي حينها لاذهب من هناك باتجاه عروس الشمال اربد باقل تكلفة …. اقترب مني شاب نصف ملتحي و همس بأذني ” على صويلح بخمسة”
… و بعد تفكير عميق و حسابات دقيقة قبلت العرض مع ان الخمسة اوصلتني لنصف الطريق….
في احد رحلاتي غير الكثيرة للشام ايام التفاؤل و الطفر الملبوس بأمل النجاح …. اوصاني صديقي على خلطات منحفة من مصنع الانتاجية … و هي عبارة عن شاي اعشاب ثبت فيما بعد انها لا تنفع و لا تفيد …. و قد وجدت فيها فرصة لتكبير تجارتي المتعثرة فملأت سيارة السائق بيبرس بكمية كبيرة من تلك الخلطة العجيبة …. و في الحدود على الجانب السوري … اوقفنا الشرطي و راح يسألنا عن الغنائم …و أشار لي السائق بيد مفتوحة …فهمت منها أنها خمسة و دفعنا لنمر.. و عندما وصلنا الجانب الاردني – ايام العز- رفض الضابط ادخالها رغم محاولاتي اليائسة ..لا بخمسة ولا بغيرها …. و وراحت البضاعة علينا.
كنت مع اصدقائي في رحلة برية للجنوب التركي …و كنا سياحا على قد الحال و ربما اقل قليلا … في الطريق توقفنا في استراحة لفت انتباهنا نظافتها ….و كانت عملتهم ايامها تعد بالملايين و مئات الالاف … مع انها كقيمة لا تشتري شيئا …و رغم مشاعري بانني مليونير بالليرة التركية حينها دخلت الحمام و كانت هناك يافطة بالتسعيرة …بخمسمية الف ليرة تركي
وهذا اكبر رقم خماسي دفعته في حياتي لقاء خدمة ما.
في آحد زياراتي للاردن من امريكا قبل عدة سنوات … و بعد غياب طويل… استقبلني احد عمال الخدمة -لا اذكر اسمها- … لمساعدتي بحقيبة سفري اليتيمة … مع انني لم اكن بحاجة للمساعدة … و فعلا اوصلني لغاية البوابة … فاخرجت محفظتي بحثا عن بضعة دنانير تقديرا و عرفانا له …. حسب تقديري …. و لم اجد سوى خمسة يتيمة …. لا أنسى ابدا يومها نظرته الساخطة لي و هو يتأفف: خمسة …خمسة …. حسبي الله فيكو !!!!
ماذا لو اعطيته ليرتين او ثلاث ..كما كنت سأفعل فعلا ..!!!!
الخمسة انقذتني …الله سترني …

” دبوس خمسة و خميسة ”

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى