“ملقت ” / سهير جرادات

“ملقت ”
سهير جرادات

بكل صراحة ” ملقت ” ، يعني بالمصطلح العامي الدارج بين جيل اليوم من الشباب،والذي يستخدمونه عندما تصل الأمور إلى أكثر من حدها ، لم يعد بالإمكان تحمل ما يجري من أحداث ، وهي كلمة مرادفة لمقولة “طفح الكيل”.
” ملقت ” هذه الكلمة أكثر ما تناسب الوضع الذي وصلنا إليه؛ بفضل سياسات حكوماتنا المتعاقبة، التي كبدتنا من خلال قراراتها غير الحكيمة مديونية كبيرة ، وعجز لم تجد سبيلا لسداده إلا من جيب المواطن الغلبان ، وتأكد ذلك بعد أن جعلتنا هذه الحكومة نؤمن ونقتنع بأن الأمور وصلت إلى حد لا يطاق، وأصبح وجودها أمرا غير مرحب به , وأن الوقت قد آن لرحيلها بناء على مطالب شعبية ، وحتى لا نكرر ما حدث مع حكومة زيد الرفاعي عام 1988، عندما أقيلت بناء على ثورة شعبية إثر انهيار الدينار وتفاقم الفساد المالي وقمع الحريات وتعذيب المعارضين .
منذ أن تسلمت حكومة عبدالله النسور في العام 2012 ، لم تترك شيئا إلا ورفعت سعره ، حتى أصبح أسلوب الرفع نهجا لها ، فرفعت أجور النقل ، وأسعار الكهرباء والماء والحديد والأسمنت والتأمين ، وأسعار القمح والطحين المدعوم والملابس والمحروقات واسطوانة الغاز والدخان ، ورسوم جوازات السفر، والضريبة على المكالمات والأجهزة الخلوية، ورسوم الانتفاع الصحي ورسوم الترشح للإنتخابات ، وحتى أجور رسوم الزواج والمأذون الشرعي،و رسوم النفايات …..
وأخر صرعات هذه الحكومة رفع رسوم الترخيص على المركبات بطريقة لا يقبلها عقل ، وإن كان يحمل القرار في طياته بعضا من المنطق حسب ما هو معمول به عالميا باحتساب الرسوم بحسب سعة المحرك ،إلا أن مساعد مدير الأمن العام السابق العميد المتقاعد عباس الدبوبي،اضطر إلى توجيه رسالة إلى النسور فجر فيها مشكلة كبيرة إلى جانب سلب كرامة المواطن ألا وهي معاناة المتقاعدين العسكريين والمدنيين في تدني رواتبهم بحيث تصل الخسارة في الراتب الى النصف عند التقاعد مما يكبدهم تكاليف وعجز في ميزانية العائلة،قد تجعلهم يتحولون إلى باحثين عن وظيفة في الخفاء، كما فعل صاحب رتبة عسكرية عالية في وظيفة لا تتناسب مع رتبته،ليتوارى عن الانظار حتى لا يفتضح أمره،من أجل أن يوفر لقمة العيش لأبنائه ،فيما دول مجاورة لنا ترفع الرواتب بعد التقاعد تعويضا عما كانت توفره لمثل هذه الفئة خلال الخدمة من سيارة وسائق وحارس وغيره ، وحتى تحفظ كرامتهم لأن كرامة الدولة وهيبتها من كرامة وهيبة رجال الأجهزة الأمنية ،فالدولة عليها أن تحفظ كرامتهم بمقدار رواتبهم وطريقة الإحالة على التقاعد .
ورأينا كيف انقسم المواطنون إلى فئتين ،الأولى أيدت ما ذهب إليه رجل الأمن، والأخرى وجهت له اللوم على جرأته ، فالاجدى أن يقول هذا الكلام وهو في مقعد الخدمة ، متناسين أنه في موقع تنفيذي وليس بيده التشريع ولا يستطيع أن يتخذ قرارا بالرفع، وما عليه الا التنفيذ، ليضعونه في مقاعد المعارضة.
وحتى تصل الحكومة إلى مبتغاها تقوم بعملية شغل للمواطن من خلال اختلاق قصص وأحداث لايجاد حالة تستطيع من خلالها إلهاء المواطن عن القضايا المهمة ، إضافة الى انتهاج أسلوب المراوغة للوصول الى هدفها دون الاكتراث بالمواطن الذي اختبرت قدرته على التحمل أكثر من مرة ، وأثبت جدارته بالتحمل وعدم الاكتراث .
ولكن الخطوة التي اتخذها بعض المواطنين في عدة مناطق في المملكة وظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي،بالدعوة إلى مقاطعة ترخيص سياراتهم ، على أمل أن تتسع الخطوة ، دليل على أنها ” ملقت ” مع الشعب.
أي بلد يريد أن يحافظ على كرامة أبناء شعبه عليه أن يقدم له ثلاثة حقوق تحفظ له ماء وجهه وكرامته ألا وهي: توفير تأمين صحي مجاني، وشبكة مواصلات محترمة، وتعليم بالمجان .
صحيح أنه من المتعارف عليه لدينا في الاردن، ليس للشعب ولممثليه أي دور في تشكيل الوزارات ولا حتى في رحيلها ، فتأتي الحكومات وتذهب، ولا أحد يعرف لماذا جاءت ولماذا رحلت! ، وهل هي حكومات موالية للعرش ، أم أن أفرادها موالين لمصالحهم الخاصة، وعاجزين عن حماية العرش، بل أنهم يسيئون إليه، من خلال تركيز الحكومة التي ينتمون اليها على سياسة الرفع التي تؤثر على المواطن والشريحة الأكبر وهي شريحة الموظفين، الامر الذي يوجد حالة من الإحباط الشديد لدى المواطنين .
نتمنى أن لا نصل إلى مرحلة نفتقد فيها أمننا الوطني الذي نتغنى به دائما،ويتم استخدام القوة والعنف ،عندها سيتهدد الاستقرار والأمن ، في حال استمر الاستهزاء بالمواطن وعدم الاستجابة لمطالبه الشعبية في الإصلاح الشامل، ومحاربة الفساد، والقضاء على الواسطة والمحسوبية ،واصلاح الوضع الأقتصادي والاجتماعي، وتقديم بعض كبار الفاسدين إلى القضاء، واستعادة بعض الأموال العامة المنهوبة ،وإجراء انتخابات نيابية وبلدية نزيهة ، إلى جانب تخفيض حجم البطالة ، وانخفاض نسبة الفقر .
بعد أن فقد المواطن الثقة بمجلس النواب، الذي لا يقف إلى جانبه في أغلب قضاياه المفصلية ، بل يقف عليه ، ويجور به ، خاصة في ظل غياب الأحزاب الفاعلة وتواجدها الضعيف غير المؤثر ، وكذلك اضعاف وتقسيم الحركة الأسلامية وتفتيها وتمزيقها ، تعالت الأصوات المطالبة برحيل الحكومة .
والسؤال:: لماذا الآن ؟ وهي ليست الرفعة الأولى للحكومة ، لكن واضح أن هناك من يسرع في إقالة الحكومة ، بعد أن أفصح سابقا رئيس الوزراء الأسبق عون الخصاونة بوجود ثلاث حكومات في البلاد تتصارع على السلطة التنفيذية، وأظن أن الجميع يعرفها ،علينا أن ننتظر ونشاهد من سيفوز منها ومن سيخسر؟ .
من يعجز عن ادارة الأردن بتعقل ، عليه أن يرفع يده عن الوطن ويذهب بعيدا ، لأن أي هزة سيكون لها تأثيرها السلبي على أمننا واستقرارنا واستمرارنا، لأنها يا اخوان .. ” ملقت ” .
Jardat63@yahoo.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى