
عولمة الكورونا..أسئلة للحوار والتفكر
ا.د حسين محادين.
(1)
ان تكون وطنيا اي اردنيا ؛ انسانا ودولة، لا يعني ابدا ان تنعزل بنفسك عن جُل منجزات وفضائل العولمة؛ فكرا، علما، اقتصادا وتكنولوجيا..لكن وبذات الوقت هل تفاعلك مع الآخر المعولم يجب ألا يلغي محليتك كأساس تعلما من دروس الراهن قبيل وأثناء تعامل الغرب مع جائحة الكورونا؛ وتخليه عن تحلفاته مع دول الاتحاد الأوروبي مثلا فما بالك مع اتباعه من الدول النامية…؟
(2)
تؤكد بعض نتائج الدراسات/الاطروحات العلمية الاقتصادية والحياتية الحديثة، على وجود أزمة بنيوية، غامضة الأسباب والنتائج للآن تجلت في :-
أ- تباطؤ أمريكا كرأس حربة لمنظومة العولمة، في كيفية تعاملها مع مشكلات العدوى الكورونية الامريكية-الصينية كاساس، والتي يعيشها العالم حاليا تأثرا بصراعهما وكأزمة تحت عناوين متداخلة هي ، الاقتصاد ، الحرب البايولوجية، والسباق التكنولوجي بينهما.
ب- كيفية تعامل دول العالم الغربي المعولم ايضا، مع ما كل يرتبط بقيمة البشر كاساس، وتحديدا الاعداد الهائلة والمتصاعدة من المصابين عندهم بعد أن أصبحت أوروبا المنجم المُصدر للعالم لمرض ومرضى الكورونا . ولعل الغموض المضاف هنا ايضا هو، لماذا لم تعلن منظومة دول العولمة الغربية عن نتائج تشخيصهم لأسباب واماكن اندلاع هذه الحروب البايلوجية والمآلات المتوقع الوصول إليها للآن ، اذا ما استمرت هذه العدوى الفتاكة والبشرية المصدرة من الغرب إلى العالم مثلا؟.
(3)
ان هذا الواقع السلبي عموما، انما يعرّي اطروحات الرأسمالية المعولمة والربحية الجشعة ابتداءً ،او ما أسميه انا بسيادة ثقافة الأرقام الصماء ، كتقديم الارباح على كل شيء، وتعظيم قيمة فعالية كودات”الارقام السرية”
لاستخدامات التكنولوجيا وأدوات التواصل الاجتماعي التي تسيّدت حياتهم وتجارتهم معنا، والتي اصبحت الأكثر حضورا واهمية لدينا نحن وهم معا في العقود الثلاث الأخيرة في ظل سيادة ايدلوجيا الواحديات :- القطب والدولار واللغة الانجليزية والقرن الواحد معا، منذ تسعينات القرن الماضي اي منذ تفكك الاتحاد السوفيتي السابق كقطب مواز للرأسمالية سابقا قبل أن تتغول فتصبح عولمة ، لا بل عولمات، ودون ان ننسى ايضا سرعة تأثرنا نحن العرب والمسلمين كمجتمعات نامية بمنظومة العولمة ومصاحباتها الآسرة لنا، تعبيرا سلوكيا عن انبهار المغلوب حضاريا بالغالب له كما يرى العلامة أبن خلدون.
اقول انبهرنا بكل ما هو غربي معولم حتى وأن جردنا ذلك من انسانيتنا الفطرية العفيفة غالبا والتي كانت تسمى القيم التقليدية والتكافلية. ولعل الصدمة الاقوى لكل متابع علمي اليوم هو، سرعة انهيار وتخلي هذه الدول المعولمة في ظل جائحة الكورونا عن اساسيات ما يتعلق بحقوق ومكانة الانسان الفعلية لديهم، الأمر الذي يقودنا إلى الاستنتاج بان هناك وضع غير مطمئن اطلاقا، لا بل تناقضا واضحا بين ما صُدر لنا من مطالبات كدول نامية بضروة احترام حقوق الانسان كحق اساس رغم انه موجود نسبيا في تراثنا، وبين ما تناسته تلك الدول الغربية المعولمة قبيل وأثناء عدوى الكورنا اي في أول اختبار داخلي لديهم.
(4)
اخيرا..هل نحن على أبواب أو عتبة ذبول العولمة واطروحاتها ككل بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على تفردها كقطب واحد في هذا العالم كقرية صغيرة كما اوهمتنا،..ام اننا فقط أمام عُطاسها الصحي المفضي إلى مراجعتها ونقدها لذاتها كأيدلوجيا كغيرها من الأفكار التي مرت على مسيرتنا البشرية، تمهيدا لعودتها اي امريكا كراس للعولمة اقوى وأشد من ذي قبل، ولكن بتوزيع او توافق ضمني مُقبل وبعناوين اقتصادية تكنولوجية، وتوازن في الردع الفايروسي/البايولوجي مع الصين وروسيا مثلا ..
أسئلة مشرعة للحوار والتفكر بالتي هي أسوأ بالنسبة لنا عربا ومسلمين لأننا خارج اي من هذه الحوارات وبالتالي القرارات التي يصوغها ويهندسها الاقوياء وينحني لها الضعفاء أمثالنا.
* عميد كلية العلوم الاجتماعية-جامعة مؤتة.
*عضو مجلس محافظة الكرك”اللامركزية “.

