
موقف عمومي
زارتني أم تصطحب طفلتها البالغة أربع سنوات، وأرتني كيف أن أسنانها التي ما زالت لبنية، قد نال منها الحت جراء الصرير الناتج عن ضغط الفكين بقوة، بطبيعة الحال نحن نعلم أن ذلك يحدث عند التوتر أو الضغط النفسي، لكن أي توتر يصيب طفلة في الرابعة، لا يرفض أهلها لها طلبا ولا يكلفونها جهدا؟.
لذا سألتها كيف تقضي أوقاتها، قالت هي مدمنة على ألعاب الهواتف، ولا تترك هاتفها ساعة ولا تغفو إلا وهو في يدها.
عندها عرفت السبب، فما يغري في الألعاب الإليكترونية أنها تأسر من يمارسها، بسبب أن الفوز فيها لا يتوقف، فكل مرحلة تؤدي الى ما بعدها، وبذلك يبقى دافع الفوز وخوف الخسارة متمكنا من تفكير الطفل الصغير، فلا تتيح له أن يتركها، إلا أن يغلبه الجوع أو النعاس.
التوتر الحاصل خلال ذلك الحماس، يتمثل عند البعض بشكل ضغط الفكين على بعضهما بشدة لا إراديا مما يؤثر على المفصل الفكي وعلى الأسنان وقد يؤدي الى تطابق غير صحيح.
ربما كانت أكثر شكوى يتفق عليها كل أولياء الأمور، هي ظاهرة استيلاء الهواتف الذكية على اهتمام أبنائهم، واستغراقهم المفرط فيها.
لا يجادل أحد في أن ثورة الإتصالات التي تسارعت وتيرتها خلال الثلاثين عاما المنصرمة، كان لها تأثير كبير على نمط المعيشة البشرية في كافة أصقاع المعمورة، وذلك لأن انتشارها كان شاملا للبلدان الغنية والفقيرة على السواء. كما ساعد على تعظيم ذلك الإنتشار تقليل كلف اقتناء وتشغيل تلك الأجهزة، مما جعلها في متناول الجميع.
لقد تمكنت العقول الشيطانية لمطوري تلك التقنيات، من تسويق خدماتها في كل بقعة، بعد أن اكتشفوا أن الأرباح المتحققة عن نشر الإعلانات التسويقية في أوسع نطاق، أكثر بكثير من تقاضي رسوم خدمات (الإنترنت)، فجعلوها شبه مجانية لكي لا يقتصر الترويج التجاري على القادرين ماديا بل يشمل الفقراء أيضا، بعد أن ثبت أن إذكاء حمى الإستهلاك لديهم، يقلب الأولويات عندهم فتصبح الكماليات حاجات مقدمة.
ورغم ذلك، تجني شركات الإتصالات أرباحا فلكية، لا تقارن بأي مشروع انتاجي، زراعيا كان أم صناعيا، ففي احصاءات عام 2017 حققت شركة اتصالات الإمارات 12 مليار درهم (3.268 مليار دولار)، واتصالات السعودية 11 مليار ريال ( 2.334 مليار دولار)، والمصرية للإتصالات 5.2 مليار جنيه (290 مليون دولار).
أما تصنيع الهواتف الخلوية، والتي تعتبر سلعة كمالية، فقد أصبحت الأكثر رواجا وتسويقا بين كل الأجهزة الكهربائية الضرورية، وتتفوق أرباحا على السيارات والثلاجات والغسالات.
فقد حققت أكبر شركتين منتجتين للهواتف، وهما شركة سامسونج الكورية، وشركة آبل الأمريكية، أرباحا صافية خلال عام 2017 بلغت 50 مليار دولار لكل واحدة منهما، في حين بلغت نسبة الإستحواذ السوقية لأكبر أربع شركات التالي : سامسونج 22.3 % آبل 12.5 % هواوي 10.5 % أوبو 8.2 % .
التسارع المحموم في الإنتاج والإستهلاك في هذا الباب، لا يمكن التكهن بما سيؤول إليه، فحتى الجن لا تعلم يقينا الى أين تسير الأمور بالبشر: “وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ” [الجن:10].
في كل الأحوال، لا يوجد قلق كبير على البالغين الراشدين في المجتمع، من سلبيات هذه الثورة المعرفية المباغتة، فلدى أغلبهم من الخبرات والإدراك ما يحصنهم من المزالق، ويقيهم من الإنجرار وراء الشرور والمهالك.
لكن السؤال الهام الذي يجدر بالتربويين مناقشته: ما هو الأثر على النشء الجديد، والذين قد تكون مغريات التسلية ومتع اللعب الآنية جارفة لكل حذر، ومذهبة لكل تحوط، خاصة أن وسائل الإغراء طاغية، وتخاطب رغبات الغرائز البشرية.
مشكلتنا أن المال والنفوذ هما من يوجه العلم الآن، لذلك تصرف شركات الإحتكار على البحوث (العلمية) لاستخراج نتائج موجهة لتسويق منتجاتها، فليس هنالك ثقة في مصداقيتها.
ولما كانت أنظمة حكمنا