الغد…
“لسنا الوحيدين ولكننا الأفضل… الأسعار رمزية وبسعر التكلفة تقريبا.. وفر وقتك وريّح حالك”.
هل يبدو هذا إعلانا لسوبر ماركت، مكتب سمسرة عقارية، أو حتى مكتب لخدمات التنظيف؟!
إنه بالفعل إعلان موجود في واحد من المواقع الإلكترونية الإعلانية الأردنية، المتخصصة في الترويج لهذا النوع من الخدمات، لكنه ليس لأي واحدة منها.
بل هو ببساطة واحد من مئات الإعلانات الموجودة على شبكة الإنترنت، والتي تقود إلى مكاتب خدمات جامعية، تتركز بشكل أساسي في محيط جامعات أردنية، وتقدم إلى جانب خدمات الطباعة والتصوير وبيع القرطاسية، خدمة بيع الأبحاث العلمية ورسائل الماجستير والدكتوراه “جاهزة” لكل من يطلبها.
باستثناء قلة منها، فإن هذه الإعلانات لا تقول مباشرة إن الخدمة هي إنجاز البحث أو الرسالة بشكل كامل، بل تذكر أنها تقدم “المساعدة” في كتابة البحوث والرسائل.
وهذه المكاتب تحرص، بما تكتبه على واجهاتها أيضا، على عدم الإفصاح فتكتب “رسائل ماجستير ودكتوراه، بحوث علمية ومشاريع تخرج”.
لكن أي داخل إليها يستطيع أن يعقد صفقة، (وهذا ما فعلته “الغد”)، لأي نوع من البحوث التي يغطيها نشاطها، والذي يبدأ من التقارير القصيرة، التي يكلف أساتذة الجامعات طلبتهم بها كـ”homework”، ويمتد إلى كتابة الأبحاث العلمية، مشاريع التخرج، ليصل إلى بيع رسائل الماجستير والدكتوراه.
وتغطي خدمات مثل هذه المكاتب، كما توضّح إعلاناتها جميع تخصصات العلوم الإنسانية، وطيفا واسعا من التخصصات العلمية، تشمل تخصصات كليات العلوم، والهندسة، والعلوم الطبية.
“الغد” توجهت بصفتها الصحفية إلى مكتب في محيط جامعة اليرموك، بعد أن وصلت أنباء بأنه يمارس هذا النوع من النشاط، لكن صاحبه أكّد أنه لا يفعل ذلك، وأنه “لا أحد على الإطلاق يمارس هذا النشاط”.
وفق صاحب المكتب، الذي رفض ذكر اسمه، فإن كل هذا الكلام، عن مكاتب تبيع رسائل جامعية، هو “تضخيم” للموضوع، فما يحدث، كما يقول، هو أن هذه المكاتب تنجز الفصل المتعلق بالتحليل الإحصائي، الذي “لا يستطيع الطلبة إنجازه، لأنهم ضعاف في الإحصاء، وتنجز الفصل المتعلق بالإطار النظري للرسالة، الذي يحتاج من الطالب قراءة دراسات باللغة الإنجليزية، ولا يستطيع الطلبة كتابته أيضا، لأنهم ضعاف في اللغة الإنجليزية”.
والمكتب يتقاضى، كما يقول، عن هذا العمل 120-150 ديناراً عن الإطار النظري، و250-300 دينار عن التحليل الإحصائي.
لكن أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور ذياب البداينة، يؤكد أن بيع الرسائل والأبحاث العلمية “الجاهزة” للطلبة هو ممارسة موجودة في مختلف الجامعات الأردنية.
البداينة، الذي يشدد على أن إنجاز الإطار النظري للرسالة والتحليل الإحصائي يجب أن يكون من عمل الطالب نفسه، يؤكد، مع ذلك، على أن ما يحدث على الأرض هو أكثر من ذلك بكثير، “ما يحدث هو بيع الرسالة كاملة، بمعنى أن الطالب يذهب إلى المكتب ويعطي صاحبه عنوان الرسالة، ويعود ليتسلمها جاهزة”.
وبحسبه، فإن هذه الممارسة تسمى في السوق “رسالة تسليم مفتاح”، وهو المصطلح المستخدم في اتفاقيات مقاولات البناء.
في سوق الرسائل الجامعية
لأن تقصي الموضوع بهوية صحفية مكشوفة كان صعبا وفاشلاً في المحاولة الأولى، فقد دخلت “الغد” إلى مكتب للخدمات الطلابية في إربد، لتطلب من صاحبه شراء رسالة دكتوراه في التاريخ.
صاحب المكتب رد بأنه يعرف شخصاً، كان يعمل في هذا المجال، وكتب أكثر من رسالة دكتوراه وماجستير، ولكنه، بحسبه، توقف عن هذا العمل، منوّهاً إلى أن نشاط مكتبه يقتصر على بيع الأبحاث العلمية ومشاريع التخرج لطلبة البكالوريوس.
وعندما سئل عن ذلك، أوضح أن الأبحاث التي يبيعها نوعان، تقارير تبدأ من ثلاثة دنانير ولا تتعدى العشرة، وهذه تؤخذ من الإنترنت، ولا يكون المكتب، كما يقول، “مسؤولاً عنها بعد بيعها”.
النوع الثاني، هو أبحاث علمية ومشاريع تخرج “مكفولة”، وهذه، بحسبه، ينجزها مختصون، وتتبع فيها منهجية البحث العلمي، ويلتزم المكتب بتنفيذ أي تعديلات يطلبها الأستاذ، ويبدأ سعرها من 150 ديناراً.
مكتب آخر، يقع أيضا في إربد، اتصلت “الغد” بصاحبه عن طريق رقم هاتفه، الذي تضمنته إعلاناته، وطلبت رسالة ماجستير في الأدب العربي، مؤكدة أنها تريدها مكتوبة بالكامل، “شاملة الفكرة والمخطط”، فرد الرجل أنه على استعداد، ولكنه قال إن لديه مشكلة حاليّاً، هي أن الأستاذ، الذي يتعامل معه المكتب، و”ماسك شغل لطالبين غيرك” على سفر.
صاحب المكتب عرض على مندوبة “الغد” إن كانت توافق أن يكتب لها الرسالة حاملو ماجستير، مؤكّداً أنهم، وإضافة إلى أنهم يتقاضون مبالغ أقل، فإن بعضهم “أشطر” من الدكاترة، كما أنهم “أقل تعنتاً” منهم، وأكثر مرونة عند طلب أي تعديلات على الرسالة!
لكن “الغد” أصرت على دكتور، فقال الرجل إنه سيتدبّر الأمر، وبعد يومين عاود الاتصال، وزوّد “الغد” برقم هاتف لسيدة، قالت إن لديها حالياً من ضمن “الفريق”، الذي تعمل معه اثنتان تحملان درجة الدكتوراه في هذا التخصص، ولكنهما ترفضان استقبال الاتّصالات، لهذا فإنها، في العادة، تعمل “كحلقة وصل” بينهما وبين الطلبة.
وقالت هذه السيدة إنها ستعود إلى إحداهما، وخلال أيام ستعود بمجموعة من الأفكار، التي يمكن عرضها على المشرف، وعند الموافقة على أي موضوع تتم كتابة المخطط، ليبدأ العمل بالرسالة.
وعند سؤالها عن السعر، قالت إن المخوّل بمناقشة الأسعار هو صاحب المكتب، الذي قال، من جهته، إن السعر سيكون 1500 دينار. وعندما طُلب منه التخفيض رفض قائلاً: إن معظم نشاط المكتب هو مع الطلبة العرب داخل وخارج الأردن، وأن نفس الرسالة تباع لهؤلاء بـ2500 دينار! ولكن “أنت بنت البلد، وإحنا عارفين الظروف”.
تنوع أسعار وعروض!
مكتب ثالث في عمان، اتصلت “الغد” بصاحبه، وسألته نفس السؤال: هل هناك إمكانية لكتابة رسالة ماجستير كاملة، “شاملة الفكرة والمخطط”، فردّ الرجل، الذي يعمل معلماً في مدرسة خاصة: “نعم من الألف إلى الياء”.
من هنا، توجهت “الغد” إلى مكتبه، وهناك طلبت منها السكرتيرة أن تكتب تفاصيل ما تريد، وأثناء الدردشة، شرحت لها السكرتيرة الآلية، التي يسير بها العمل، فهناك فريق من الأكاديميين في مختلف التخصصات، بعضهم، بحسب السكرتيرة، يعمل في الجامعات.
وقالت إن الأسعار تبدأ من 100 دينار، إذا كان المطلوب مشورة فقط، أما في حالة الرسائل الكاملة، فتصل تكلفة كتابة رسالة الدكتوراه إلى 5 آلاف دينار، ويرتفع الرقم للطلبة العرب، الذين يشكّلون، بحسبها، القسم الأكبر من “الزبائن”!
ونوّهت السكرتيرة إلى أن العمل “ازدهر جدا خلال السنوات الأخيرة”، ليس فقط من ناحية وجود زبائن، ولكن هناك أيضاً الكثير من الأكاديميين، ممن يتقدمون بطلبات عمل.
في اليوم التالي، اتصل صاحب المكتب بـ”الغد”، وأخبرها أنه اطّلع على التفاصيل، وهو يطلب 2500 دينار، وعندما طلب منه تخفيض السعر، رفض وقال إن “هناك من يطلب أقل، لأنه يتشاطر، ويعمل (copy paste)، أو يعمل مع حملة ماجستير ودكتوراه ليست لهم خبرة في الإشراف على الرسائل، ولكن، نحن لدينا الآن ثلاثة من خيرة الأساتذة، لهم جميعا هذه الخبرة، وعملهم، بالتالي، مضمون، ووفق المعايير العلمية”.
الصفقة الثالثة، كانت لرسالة دكتوراه في التربية. صاحب الإعلان لم يكن لديه مكتب، بل هو موظف في مؤسسة تعليمية، على تماس مباشر بالجامعات، وكان من الواضح أن موقعه هذا هو ما يسهّل مهمته في التواصل مع الطلبة والأساتذة.
وفق الاتفاق، فإن رسالة الدكتوراه ستنجز مقابل 2000 دينار، تدفع على ثلاث مراحل، وأكّد الرجل أنه مع فريقه ملتزمون بأصالة الرسالة، وبإنجاز أي تعديلات يطلبها المشرف أو لجنة المناقشة.
بنفس الأسلوب، تمكنت “الغد” من عقد ثلاثة اتفاقات أخرى مع ثلاثة مكاتب، تقع في عمان وإربد، لشراء ما يلي: ماجستير في القانون، بسعر 1300 دينار، دكتوراه شريعة 1200 دينار، مشروع تخرج في تخصص هندسة النظم الطبية بسعر 700 دينار.
هذه الاتفاقات، تمّت ضمن سيناريوهات شديدة التطابق، فهناك دائما فريق من المتخصصين في مختلف المجالات، تبقى هوياتهم سرية، في حين يعمل آخرون كحلقة وصل بينهم وبين الطلبة.
وهناك دائماً تأكيدات على أصالة الرسالة، والتزام بإجراء التعديلات المطلوبة. وبالنسبة للسعر فإن التفاوت في الأسعار يرتبط بمستوى وخبرة من يتولى إنجاز العمل وبحجم الطلب على التخصص، كما أن نظام دفع النقود يكون على دفعات، تسلّم الأخيرة عند إنجاز المهمة، وعند التفاوض على السعر يتم التأكيد على أن السعر المقدّم خاص بـ”أبناء البلد”، حيث تطبق على المغتربين لائحة أسعار مختلفة.
أمر آخر تفعله هذه المكاتب كما قالت لـ”الغد” موظفة في أحدها، هو أنها تحرص على أن يكون الدكتور الذي يكتب الرسالة عاملاً في غير الجامعة التي ستناقش فيها الرسالة.
من ناحية أخرى، فإن عدداً لا بأس به من هذه المكاتب له نشاط خارج الأردن، وهذا واضح من إعلانات، تقول إن المكتب لديه “فروع” في دول عربية.
الأمر الذي أكّده لـ”الغد” مستشار الأبحاث واستطلاعات الرأي الدكتور سامر أبو رمان، الذي قال إنه رأى هذه الإعلانات بنفسه في عدة دول عربية، وأحدها كان “داخل حرم جامعة خليجية”.
جريمة نكراء وتسامح أخلاقي
خلال جولتها في جامعتي اليرموك والأردنية واستطلاع آراء الطلبة حول القضية، لم يكن من بين جميع من تحدّثت إليهم “الغد” طالب واحد استغرب السؤال عن هذه الممارسة.
وفي مسح عشوائي، شمل عينة مكونة من 450 طالبا في الجامعتين الأردنية واليرموك، اعترف 22.5 بالمائة من العينة، بأنهم قاموا فعلاً بشراء أبحاث جاهزة، وقال 29.8% منهم، إنهم “يعرفون” طلبة قاموا بذلك، في حين قال 47.7% من الطلبة إنهم “يسمعون” عن طلبة يقومون بذلك.
وكان من اللافت أثناء استطلاع آراء الطلبة أنهم لم يكونوا ينظرون إلى الأمر كـ”جريمة”، بل كممارسة عادية، والمثير أكثر كان هذا الحس “التفاخري” لدى من اعترفوا بأنهم قاموا بشراء أبحاث، إذ طرح هؤلاء الأمر بوصفه “فهلوة” وأكّد عدد منهم “بفخر” أنهم لم يقوموا أثناء سنوات دراستهم الجامعية كلها بكتابة بحث واحد، وتطوّعوا بذكر أسماء المكتبات التي تبيع الأبحاث.
هو أمر يؤكده محمد العموش، طالب ماجستير العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، أن هذه الممارسة منتشرة بشكل “كبير جدّاً، والطلبة يمارسونها بدون أي إحساس بالذنب، كما أن الطلبة الجدد الذين يرتبكون عندما يُكلفون بكتابة بحثهم الأول يتولّى الطلبة القدامى إرشادهم إلى الأماكن، التي يشترون منها البحث جاهزاً”.
وتروي حنين الخطيب، طالبة ماجستير لغة عربية في جامعة اليرموك في هذا السياق، قصة طالب عرض بحثاً عن المفكر اللبناني الماركسي حسين مروة، وعندما سأله الأستاذ إن كان يتبنى منهج مروة، أجاب بنعم، “فسأله الدكتور: إذن أنت تتبنى الماركسية، فأعاد الإجابة بنعم، وعندما ناقشه في الماركسية، اتضح أنه لا يعرف معنى الكلمة”. وفق الخطيب، فقد رسب الطالب، لكن الرسوب بسبب انتحال بحث هو، كما يؤكد طلبة، “حالة استثنائية”، والسبب، كما يقول العموش، هو أن “معظم” الأساتذة لا يقرؤون الأبحاث المقدمة إليهم.
بحسب العموش، فإن البحث العلمي بالنسبة للطلبة، “هو أسهل جزء من المساق، لأنه يعني أنهم سيحصلون على الـ30 علامة، المقررة مقابل 5 أو 6 دنانير”.
التعليم العالي: نعم.. هناك تجارة في الرسائل الجامعية
ليس هناك أي رصد علمي لهذه الممارسة على الأرض، وليس هناك، بالتالي، من يعرف حجمها على وجه الدقة، ولكن، كثرة الإعلان عنها، وتعدد الجهات التي تقف وراء هذه الإعلانات، هي مؤشرات، كما يقول أبو رمان، على اتساع حجمها.
أبو رمان، الذي يعمل في المركز الدولي للأبحاث والدراسات في السعودية، ووصله هو شخصيا، على بريده الإلكتروني أحد هذه الإعلانات وعنوانه “الدراسة عليك والبحث علينا”، يروي أنه ومن خلال عمله، يصادف أشخاصا، يجهلون طبيعة عمل مراكز الأبحاث، فيأتون إليها طالبين هذه الخدمة، ويعرضون صراحة على الباحثين فيها أن يكتبوا لهم رسائلهم.
بل إن أستاذاً جامعياً، فضّل عدم ذكر اسمه، قال لـ”الغد”، إن “الجرأة” تصل بأصحاب المكاتب حدّ أنهم يتّصلون بالأساتذة، يعرضون عليهم الانضمام إلى مكاتبهم.
عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية الدكتور محمد خازر المجالي قال في لقاء مع “الغد” إنه شخصياً اكتشف أمر هذه “الدكاكين” قبل عشر سنوات، عندما جاءته خريجات، وسألنه إن كان العمل في كتابة الأبحاث والرسائل الجامعية لطلبة آخرين “جائز شرعا”.
يقول المجالي: “صعقت من السؤال، فسألت زملائي، وبحثت واكتشفت أن هناك مكاتب فعلا تقوم بهذا العمل، وأن هناك لوائح أسعار لها، فيباع البحث العادي، وقتها، بمائة دينار، أما الرسالة فيحدد سعرها بحسب الحجم والمواصفات، ويتراوح إجمالاً بين 1500 و3000 دينار، أما الصاعقة الأكبر، فهي اكتشافي أن هناك أساتذة يشترون أبحاثاً محكمة، يصل سعرها إلى 500 دينار”.
نائب رئيس الجامعة الأردنية لشؤون البحث العلمي الدكتورة هالة الخيمي قالت لـ”الغد” إن الجامعة على علم بوجود مكاتب، يقوم موظفوها بسرقة أبحاث، وبيعها للطلبة، وهي ممارسة بحسبها “تتركز في التخصصات الإنسانية، وبدأت خلال السنوات الأخيرة تمتد إلى بعض التخصصات العلمية”.
وفق الخيمي، فإن الجامعة تقف بـ”صلابة في وجه أي غش”، وقامت قبل فترة بحرمان طالبي دراسات عليا من شهادتيهما، بعد أن اتضح أن أجزاء من أطروحتيهما كانت منقولة، ولمزيد من الضبط فإن الجامعة “بصدد شراء برامج حاسوبية، ستتمكن بعد تطبيقها من اكتشاف أية سرقة علمية، سواء في أبحاث الطلبة أو الأساتذة”.
لكن المشكلة هنا، كما يقول أكاديميون، لا تكمن فقط في “النقل” عن آخرين، فالرسائل التي يؤلفها متخصصون تكون “أصيلة”.
المجالي يقول إنه خاطب العديد من رؤساء الجامعات، طالباً الالتفات إلى هذه القضية، “العام 2004 خاطبت الدكتور عبدالرحيم الحنيطي رئيس الجامعة الأردنية آنذاك، ثم الدكتور خالد الكركي، ثم أعدت مناقشة الأمر مع الدكتور عادل الطويسي، الذي أخبرني أن الجامعة خاطبت فعلاً وزارة التعليم العالي”.
التعليم العالي، كما تقول الخيمي، “وعدت باتخاذ إجراءات، ولكنها وحدها غير قادرة على التصدي لهذه الممارسة، وأي إجراء سيتخذ يجب أن يكون بالتنسيق مع مختلف الأطراف المعنية بالقضية ومن بينها الأجهزة الأمنية”.
وكان وزير التعليم العالي السابق الدكتور وجيه عويس، وفي تموز (يوليو) من العام الحالي، قد أقرّ، في تصريح صحفي، بوجود هذه الممارسة، وقال إن الوزارة تصلها “معلومات”، بأن بعض المكاتب الجامعية، التي منحتها الوزارة رخصة تأمين القبولات الجامعية، تقوم “ببيع الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه”.
وقال إنه عندما كان رئيساً لجامعة العلوم والتكنولوجيا “واجه هذا الأمر”، ولكنه لفت إلى صعوبة “إيجاد دليل ملموس على الطلبة، الذين اشتروا الأبحاث والرسائل”، مشددا على أن “الوزارة تتخذ إجراءات متشددة في حال إثبات الأمر، سواء بحق الطلبة أو المكاتب المرخصة”.
“الغد” حاولت التواصل مع التعليم العالي، لمعرفة موقفها من القضية بشكل أكثر تفصيلا، فبعثت منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي رسالة إلى مكتب الوزير، وقامت بمتابعة يومية لرحلة الرسالة، التي حُولت من مكتب الوزير إلى الأمين العام، ثم إلى أمين سر مجلس التعليم العالي، ثم إلى المستشار في الوزارة إياد مسمار، الذي قيل لـ”الغد” إنه كان قد أعد دراسة عن هذه القضية.
وفي النهاية، أبلغت سكرتيرة الأمين العام “الغد” أنه “لن يكون هناك جواب”، لأن مسمار طلب عدم تسريب أي معلومات من دراسته بوصفها “حقا له”.
يذكر أن مكاتب الخدمات الجامعية، المرخصة من وزارة التعليم العالي وعددها 29، ويقتصر ترخيصها على تأمين القبولات الجامعية، هي وحدها من يدخل في ولاية وزارة التعليم العالي
في حين أن هناك المئات من مكاتب الخدمات الطلاّبية، المخصصة لبيع القرطاسية وتصوير الوثائق، والتي يمارس عدد كبير منها نشاط بيع الأبحاث والرسائل، تمّ ترخيصها كمحلات تجارية من قبل وزارة الصناعة والتجارة.
خلل في الإشراف على الرسائل الجامعية ومناقشتها سبب لانتشار الممارسة.
وفق أكاديميين وطلبة، فإن الثغرة الأساسية، التي تسمح بانتشار هذه الممارسة، هي في أن الأساتذة لا يقرؤون الأبحاث المقدمة إليهم، رغم أن الخيمي تؤكد أن الجامعة تشدد على أساتذتها أن يلزموا طلبة الدراسات العليا بعرض “ملخصّات” للأبحاث، التي قدّموها للتثبت من أنها من إنجازهم.
إلا أن المجالي يؤكد أن الكثير من الأساتذة لا يلتزمون بذلك، بل إن كثيراً منهم لا يمارس إشرافاً حقيقيا على رسائل الماجستير والدكتوراه، التي يمرّ كثير منها أيضاً بدون مناقشة حقيقية.
الأمر الذي يوافق عليه أبو رمان “الطالب الذي يعرف أنه يقف أمام مشرف مخلص ومتمكن من تخصصه، قادر على تمييز مدى وضوح فكرة البحث في ذهن تلميذه، والكيفية التي وصل بها إلى نتائجه وتوصياته، لا يمكن أن يتجرأ على شراء بحث”.
البداينة، من جهته، يوافق على وجود خلل في آليات الإشراف والمناقشة للرسائل الجامعية، ولكنه يلفت إلى أن هذا الخلل، لا يعود فقط إلى “إهمال” من الأساتذة، بل إلى غياب مبدأ “التخصص” في الإشراف، “كثيراً ما يكون الأستاذ غير متخصص في الموضوع الذي يكتب فيه الطالب، وهو بالتالي لا يملك قدرة حقيقية على محاكمة المادة العلمية، ويكون قد قبل الإشراف على هذه الرسائل لأنها بالنسبة إليه عمل إضافي، ينال عليه مكافأة مالية، وهذا ما يسمح لكثير من الرسائل أن تجاز دون أن تكون قد نالت إشرافاً حقيقيا”.
تجارة الشهادات تزدهر عند غياب تكافؤ الفرص
السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هنا: لماذا تجد تجارة الألقاب العلمية سوقاً رائجة؟ وهل تكفي القيمة الاجتماعية العظيمة التي يضفيها المجتمع على حامل اللقب مبررا وحيدا لهذا الرواج؟
المنطق يقول إن الحصول على الدرجة العلمية بشكل غير مشروع سيعطي صاحبه إمكانية الحصول على وظيفة أو منصب، يشترط الحصول على هذه الدرجة، ولكنه لن يجعله قادراً على الاستمرار، وهو فاقد للكفاءة التي تحتاجها الوظيفة التي شغلها.
وهنا مربط الفرس، كما يرى أستاذ القانون في جامعة اليرموك الدكتور محمد علوان، ففي البلاد العربية، ومن بينها الأردن، لا يُشترط في المرء بالضرورة أن يكون صاحب كفاءة ليحصل على المنصب ويستمر فيه، إذ تتقدم على الكفاءة معايير أخرى هي الواسطة والمحسوبية.
وهذا ما يجعل، وفق علوان، لتجارة الشهادات سوقاً رائجة في البلدان العربية، ذلك أنه في ظل غياب الكفاءة كمعيار للفرز، فإن لقباً علمياً مفرّغاً من المضمون كافٍ جداً لتسلّم المناصب، والاستمرار فيها، إذا ما امتلك صاحبه مفاتيح الوصول المعتادة، “مثلاً من يشترون ألقابهم العلمية قد يعيّنون، إذا كانت لديهم الواسطة المناسبة، أعضاء هيئة تدريس في أية جامعة، ومن المعروف أنه في ظل القيم الاجتماعية السائدة في الأردن فإنه لا يمكن على الإطلاق إقالة أي أستاذ جامعي من منصبه لعدم كفاءته، مهما كان مستواه متردّياً”.
علوان، الذي يشغل حاليا منصب عميد كلية الحقوق في جامعة الشرق الأوسط، يلفت إلى أن الكثير من الجامعات العريقة في الغرب “لا تشترط في من يدرّس كثيراً من التخصصات أن يحمل درجة الدكتوراه، ففي بريطانيا والولايات المتحدة مثلاً لا يُشتَرط في من يَمنح درجة الدكتوراه في الحقوق مثلاً أن يكون هو نفسه حاصلاً عليها.
والسبب، كما يقول، هو أن “كفاءة الشخص في تلك البلدان هي المعيار الوحيد المعتمد لحصوله على الفرصة، وهم يعرفون أن عدم حمل الشخص للقب لا يعني بالضرورة أن حصيلته من الخبرة والمعرفة أقل من حامل اللقب، لهذا لا نجد في دول العالم المتقدم هذا التكالب على الألقاب العلمية الذي نجده في بلادنا”.
إن خطورة ما يحدث لا تكمن فقط في أنه انتهاك “علني” ومسكوت عنه للقانون، ولكن في أن هذا النوع من الفساد، يحدث بالتحديد في ميدان التعليم، الذي يشدد المجالي، على أنه والطب “آخر معقلين لأي بلد، فإذا وصلهما الفساد، إذن لنقرأ على هذا البلد السلام”.
(الغد)
أبو يحيى…واللي بيقهرك أكثر انهم بيتعينوا بالجامعات بالواسطة وبعد ما يفوت الفوت بندب الصوت على المستوى التعليمي لأصحاب الشهادات
ف . ع
