
فليتك تحلو أيها الموت
د. ظاهر محمد الزواهرة – الجامعة الهاشمية
يا قسوة الموت حتى الموت أقساني، وكأن قلبي للحوادث مروة، والعين لم تخفِ الدموع والعبرات، ولم أنسَ يومًا يد الحنونة والفؤاد، إني أراها تعيش في قلبي وتجري كالدماء، ومن قال إن الأيام كفيلة بعلاجنا وتنسينا الأحبة بعد حين؟ ومن قال إننا ننسى حبات عيوننا وسويداء القلوب؟ هي الدنيا تأسرنا في جنباتها وتقسو على مثلي تشبّث في تراب الأرض يوم أن رحلوا وحلّ فوق منزلنا السكون، والليل يجثو على صدري كما التوباد أو آوراس، وأنا الحزين الذي لم تترك الدنيا له فرحة في العيد السعيد، وفي قلبي جراح بعد رحيل الذين أحبهم تزيد، فيا قسوة الموت ماذا أبقيتَ في قلبي سوى وجع ألمَ كلَّ أزهاري فذبلتْ كأنه يوم الحصيد.
أما ترَ دمعي بلَّ مدمعي، والعين تبيض من ألم السنين؟ هو الحنين يا أمي يفجّر في قرارة نفسي الثكلى الأنين، أنا في غربة والنفس إليك أيتها الحنونة تتوق، وكلّ ما حولي جليد.
يا قسوة الحبّ الذي انتهى يوم فقدك يا حنونة! وكلّ ما في دنيتي ليل عميق، بل ما تذكرتُ سوى الأيام التي أدمل رأسي بين يديك الحنونتين، وكلّ المصاعب والمتاعب تبدو ومضة وتزول، آه يا أمي ها أنا اليوم وحدي في الطريق بلا قلبك الذي يفيض حبًّا ونقاء، ها أنا وحدي تعاقبني الريح بلا يديك الحنونتين، وكلّ المصاعب والمتاعب قسوة في قلبي المثخن بالجراح، ولا يعود طيفك الغالي الذي غدا وراح، ويسألني الرفاق لِــمَ الدموع؟
ماذا أجيبُ وحسرة في القلب توجعني كلّ المساء؟ حتى الصباح إذْ أشرقت الشمس اللطيفة لا أحسّ بدفئها، ولا بجمال زقزقة الحسون فوق شجر الزيتون الذي تعشقين، وبات هو الحسون من وجعي معي يبكي علي، مالي صباح أو مساء، وتبدّلتْ أوقاتي الجميلة كلّها قطعة من الليل الطويل، ماذا أجيب وحبة الفرح التي جئت بها يوم أن كانت الدنيا سوادًا فأشرقت ذهبت ولم تعد؟ وكلّ الحزن الذي تبدد بيديك عاد إليّ اليوم حاقدًا بلا يديك، وعجزتُ أن أبدد حزني الأزلي، فآه ثم آه أيها الموت كم أبكيتني! وقتلتني ألف مرة قبل موعد رحلتي المكتوب في صفحتي يوم ولدت!
يا قسوة الموت كم قطّعتَ أوصالي! وجعلتني في هذه الدنيا بتيه! أنا سائر في القهر والحزن لا علم لي بالشرق أو الغرب، وكلّ الاتجاهات توحدت بلا انتهاء، وكأنني والموت في حرب، وطاب للموت أن ينتصر، وأنا هزمت، لا أمي معي ولا دمعي، ولا كلماتها التي تنسيني الآهات والأوجاع، ولا لمساتها التي كانت تزيل كلّ همومي الكبرى، فليتك تحلو أيها الموت وتأخذني إليك، فأنا :
أَحِنُّ إِلى الكَأسِ الَّتي شَرِبَت بِها * وَأَهوى لِمَثواها التُـــــــــــرابَ وَما ضَمّا
وَكُنتُ قُبَيلَ المَوتِ أَستَعظِمُ النَوى * فَقَد صارَتِ الصُغرى الَّتي كانَتِ العُظمى
حَرامٌ عَلى قَلبي السُرورُ فَإِنَّني * أَعُـــــدُّ الَّـــــــــــــذي ماتَت بِهِ بَعدَها سُمّا
آه وألف مثلها وليتها تشفي قلبي من الألم، ولست أملك يا أمي سوى الصبر الذي تعلمته منك، وسأصبر، وأعلم أن الصبر يعجز عمّا صبرت عليه من النّوى، والقهر والبكاء حتى ضاقت الأوراق بي، وأنا أكتبُ آهاتي كلمات ليوم يُعلم فيه قيمة الكلمات، وهذا القلم.
كأس من الماء وأشربه يذكرني بالحنونة، فشرقت بالماء الذي أشرب، ما قيمة الكأس؟ وما قيمة الدنيا ولم تكتحل عيناي بك بعد؟ هو الكأس الذي فجّر في قلبي ألف حكاية ، ومثلها محطة في الحياة ولم أعرف يومها أن الموت يقطعها ويجعلها ذكرى للسنين، فمن حقي بعد فراقها بعينين تذرفان من الدمع دما، وتغرقان من الأسى ما تغرقان.
يا مرّ ما شربتُ أيها الكأس الذي تمنيته يروي عطشي لحظة أولحظتين، وأي الناس تصفو مشاربه؟ فيا ليتني متُ قبل هذا وكنتُ نسيا منسيا.
