المغتربون قضية وطن (3-3)

المغتربون قضية وطن (3-3)

أ. د أحمد العجلوني
باحث أكاديمي وخبير اقتصادي

بيّنت المعطيات التي أوردتها في المقالين السابقين أن المغتربين الأفراد في دول الخليج العربي- وليس غيرهم – من يساهم في دعم الاقتصاد الأردني بأشكال مختلفة، وهذا يدعو للبحث في مدى قدرة كل من القطاعين العام المتمثل بالحكومة والقطاع الخاص المتمثل برجال الأعمال في الأردن على الاستفادة من الطاقة الاقتصادية الكامنة لدى هذه الشريحة من أبناء البلد لما فيه مصلحة الاقتصاد الأردني.
أدركت الحكومات المتعاقبة وممثلو القطاع الخاص أهمية الأموال التي يساهم بها أبناء البلد العاملين في الخارج، ودأبت الحكومة على رعاية مؤتمرات للأردنيين في الخارج منذ عام 1998، واستمرت هذه المؤتمرات حتى المؤتمر السابع لرجال الأعمال والمستثمرين في الخارج الذي عقد العام الماضي، والذي تم تنظيمه بمبادرة من جمعيات لرجال الأعمال من داخل الأردن وخارجه؛ وبإشراف ورعاية رسمية رفيعة. كما قامت وزارة الخارجية بوضع خطة استراتيجية للأعوام 2014-2018 للتعامل مع قضية المغتربين. وهي – للأمانة- خطة ممتازة، وتعرضت لأغلب القضايا التي تهم المغتربين الأردنيين، وتختصر قائمة طويلة من مطالبهم الملحّة ابتداءً من الحقوق السياسية إلى أدق تفاصيل همومهم ومشاكلهم اليومية.
ومع التقدير للجهود المبذولة سواء من الحكومة أو من القطاع الخاص ممثلاً بجمعية رجال الأعمال، إلا أنه تبقى هناك ملاحظات وتساؤلات تضع هذه الجهود على محك الجدوى والفاعلية؛ فهناك ملاحظات على الجهود الحكومية عموماً وعلى هذه المؤتمرات تحديداً، إذ يُلاحَظ عدم التوازن والإجحاف في تعاطي الحكومة مع المغتربين مقابل رجال الأعمال المهاجرين. فالحكومة تعطي كل اهتمامها وتبذل الجهود وتقدّم المزايا والتسهيلات والإغراءات لرجال الأعمال والمستثمرين مقابل إهمال المغتربين وتجاهلهم، مع أن من يساهم في الاقتصاد -فعلاً – هم المغتربون من الأفراد، والذين بيّنت الأرقام حقيقة مساهمتهم بما لا يدع مجالاً للشك.
وإنني أتساءل عن مقدار ما جذبت هذه المؤتمرات من تدفقات رأسمالية دخلت البلد عن طريق هؤلاء المستثمرين خلال آخر عشر سنوات – مثلا – مقابل أكثر من 40 مليار دينار أتت من تحويلات نقدية صافية من المغتربين الأفراد في دول الخليج؟ وهل هنالك تحويلات نقدية جارية مصدرها المؤسسات التي يملكها رجال الأعمال هؤلاء مقابل التحويلات النقدية التي تأتي من المغتربين؟ كم من مصنع تم إنشاؤه من قبل رجال الأعمال؟ وكم نقلوا من أعمالهم وخبراتهم ومن التكنولوجيا إلى الأردن؟ أم أن الحقيقة تثبت بأن شريحة منهم أخرجوا الأموال من البلد–كما ذكرت في المقال الأول- واستثمروها في الخارج؟ وأرجو أن يصححني أحد من البنك المركزي أو غيره بأرقام وحقائق إن كان هذا الكلام غير دقيق!
كما يؤخذ على مؤتمرات المغتربين أنها لم تخلق أثراً ملموساً على المغتربين في الجوانب الأخرى غير الاقتصادية التي كان يتم مناقشتها. وحتى بالنسبة للخطة الاستراتيجية التي يفترض أن مؤتمر المغتربين عام 2015 كان من ضمنها، فإنها وبالرغم مما تحتويه من أهداف وبرامج مفيدة، لم تخلق أي أثر ملموس يفيد المغتربين على أرض الواقع، مع أنه قد مرت سنتان على انتهائها!! وبالتالي فإنها ومعها هذه المؤتمرات كانت بلا أثر إيجابي على المغتربين الذين خصصت هذه المؤتمرات لأجلهم.
وليس المقصود هنا الانتقاص بأي شكل من جهود الحكومة أو رجال الأعمال داخل الأردن واجتهادهم في السعي لما هو أفضل للاقتصاد الأردني، وإنما هو محض دعوة مخلصة إلى تجويد الأداء وتحقيق الفاعلية في هذا الصدد. كما نسعى من خلال إلقاء الضوء على حقيقة من يساهم فعلاُ في تنمية الاقتصاد الأردني إلى تحقيق التوازن بتقدير المتميزين الكثر من خيرة أبناء الوطن من المعلمين والمهندسين والممرضين والأطباء وأساتذة الجامعات؛ وغيرهم ممن رفعوا اسم الأردن عالياً في بلاد الاغتراب، كما نطالب في الوقت ذاته بتقدير رجال الأعمال الذي يساهمون “فعلاً” في اقتصاد البلد بعد إثبات مساهمتهم حال وجودها.
وحتى نعطي هذه القضية الوطنية المهمة حقها، ونتقدم خطوة ونبني لبنة في بناء الأردن الغالي، فإنني أقترح ما يلي:
استحداث وزارة مستقلة عن وزارة الخارجية تختص بشؤون المغتربين كما هو موجود في دول أخرى. حيث إن وزارة الخارجية لم تستطع القيام بواجباتها تجاه المغتربين وقضاياهم التفصيلية والمتشعبة، إذ يكفيها همّ السياسة الخارجية ومتطلباته المعقّدة. وأقترح أن تنطلق وزارة المغتربين في أداء مهامها وتحديد اختصاصاتها من استراتيجية المغتربين 2014-2018 بعد تحديث هذه الاستراتيجية وتطويرها بالاشتراك مع المغتربين أنفسهم. وأعتقد أنه لو عملت وزارة المغتربين المقترحة على هذه الاستراتيجية لحققت أعظم الفائدة للأردن الحبيب وأبنائه جميعاً في الداخل والخارج.
وأدعو رجال الأعمال من خلال جمعيتهم العتيدة إلى عقد لقاءات دورية وتبني آلية للتواصل المستمر مع المغتربين، وتطوير طريقة التفكير بعرض نماذج أعمال ومشاريع وحلول للمشاكل العديدة التي يواجهها أي مستثمر جديد غير خبير بالسوق، بحيث تلائم هذه الحلول المغتربين الأفراد، فهؤلاء عندهم من مزايا الحجم والتنوع ما يستحق الاهتمام به والاستفادة منه لرجال الأعمال في الأردن وللاقتصاد عموماً.
كما أهيب بجمعية رجال الأعمال الاستعانة بالمغتربين من الخبراء الاقتصاديين والأكاديميين العاملين في مراكز البحث والجامعات والشركات في بلاد الاغتراب لتطوير أطر مؤسسية للاستفادة من تدفقات الأموال لغايات الاستثمار من المغتربين (مؤسسات مالية أو صناديق استثمار أو غيره) لأنهم الأقدر على فهم ما احتياجات المغتربين إضافة إلى تخصصاتهم التي أثروا بها مؤسساتهم في دول الخليج العربي.
أما بالنسبة للمغتربين فإنني أزعم أن أغلب مشاكلهم يمكن حلها من خلال خروجهم من حالة التشرذم والاهتمام بالمصالح الذاتية فقط لكل منهم، ويكون هذا بانتظامهم في إطار مؤسسيّ جامع من خلال جمعية أو رابطة كما يفعل كل أصحاب المهن والشرائح الاجتماعية في الأردن، وكما فعل رجال الأعمال المهاجرون. وهذا من شأنه أن يساعدهم على إيجاد قاعدة ومرجعية تتعامل معها كل من الحكومة والنواب والإعلام وغيرهم. وإن تجاهلوا الأمر ولم يبادروا بذلك فستبقى حقوقهم مهدورة، وعليهم تحمّل المزيد من المعاناة، خاصة إن حدثت –لا قدّر الله- أزمات أخرى غير أزمة العودة التي يعانون منها الآن.

حفظ الله الأردن من كل شر؛ وأدام ازدهاره

https://www.facebook.com/ProfATAlAjlouni/

مقالات ذات صلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى