
القطبية المتوهَمة، حين تفوّت الخير الكثير؟!
حين يجري الحديث عن الصنميّة والغنميّة، باعتبارهما عبادة للأشخاص، وانجرار موصوم بالطاعة العمياء لهم، وانصياع أبله خلفهم، فإن هناك مرضاً لا يقل خطورة عما سلف، تلك القطبيّة المتوهَمة، وهي اعتقاد الشخص أنه وصل لمرحلة أصبح فيها شخصا مهمّا جدا وباستطاعته التأثير في جميع الأمور ومجرياتها…
واليوم، نجد بأن هذا المرض قد استشرى عند الكثير من النّخب السياسية والمثقفة والحراكية، وهذه الأخيرة التي ظهرت على شكل طفرة، لم تستند إلى تجارب أو خبرات سياسية أو اجتماعية، فبلغ بها الأمر درجة من الانتفاخ، وأصابها الزّهد في المسؤولين من الدرجة الأولى والثانية، فأصبحت نفوسهم لا تطاول سوى الرؤوس الكبيرة، لكنها في لحظة فراغ تنصاع لا شعوريا لمن ينفّس لها غرورها، حتى لو كان هذا الذي أعمل التنفيس من موظفي التنفيذ في الدرجة الخامسة او السادسة…ذلك لأن حالة الانتفاخ كانت متوّهمة، ولم تتساوق مع مدخلات فكرية تمكّن من المراوغة ومقاومة الإغراء أو التخويف إذا ما مورس بحقّها.. ليصلح عليها القول الشائع “من كبّر حجره ما ضرب”….ويحدث هذا كون حالة الألمعية كانت مصطنعة ولم تبن على أرضية صلبة بحيث تستطيع أن تصارع على البقاء، وتقاوم حِيَل رجال الحكم والسياسة المخضرمين الذين خبروا دفائن النّفوس، ومن أين تؤكل الكتف…..
ذات مرّة قدّم العلاّمة الراحل ناصر الدين الأسد رحمه الله، نصيحة توزن بماء الذهب لأحد تلاميذه الذي أصبح فيما بعد شخصية مهمة في الدّولة، محذّرا إياه، من أنّ :” من يلمع سريعا، سيحترق سريعا”، وهذا ما يفسّر احتراق الكثير من القيادات والنّخب التي كانت تقف على أرضية هشّة، متمحورة حول أوهامها وتداعب الأنا المتضخّمة…
واليوم، كثيرا ما نلمس هذه القطبية على مواقع التوصل الاجتماعي، حين نرى البعض يتبوتق منزوياً، ومتخذا برجاً صغيرا في هذا الفضاء الواسع الممتد، توهّما منه بأنّ ما يطرحه من مواضيع، يشكّل محورا لاهتمام الدّولة والحكومة والنّاس، وآخرين في غير مجال توهّموا القطبية، وأخذوا ينظرون للجميع بكل نرجسيّة باعتبارهم الرقم الأوحد في المعادلة، والذي لا غنى عنه في تداعيات المشهد، أي مشهد….
وقديما قال الشاعر : ملأى السنابل تنحني بتواضع .. والفارغات رؤوسهن شوامخ.