
” ملخبط ”
بالأمس ، و قبل أن ينكمش العالم بحجم قبضة اليد ، أو أن يصبح قرية صغيرة .. ، و قبل أن تتعبنا التكنولوجيا بتطورها المتسارع ، و قبل أن تغير نمط حياتنا .. و تتلاعب بنا بين حبل الراحة و الدعة إلى حد الكسل و ” التنبلة ” – و بين حبل التعب ، و القلق ، و سلب الكثير من ما هو انساني ، إذ أصبحنا ببرود و قساوة هذه الآلات ..
– قبل أن يمزقنا هذا الذي أسموه ” الإنفجار المعرفي ” و قبل أن تغرقنا موجات ” الضخ الإعلامي ” و قبل أن تسد الفضائيات فضاءنا الرحب ، و تحل أقمارها الصناعية محل أقمارنا التي تساهرنا في ليالي الصيف الجميلة ..
– قبل ذلك ، كان للحياة معناها و ايقاعها الجميل ، و كنا ننعم بانسانيتنا ، رغم تعب أجسادنا .. و كان للعالم حدود .. تحلو باجتيازها الأسفار و كان للسماء زرقتها .. و للبحار و الجبال جمالها و جلالها،
.. كنا نغسل شقاء يومنا بمسامرة ، تجمع الأصحاب و الجيران ، و كل يسمع لأخيه ، و يبادله أمتع الحديث و أجمل الذكريات .. كان الناس ” يتعللون” فوق عريشة و تحت دالية ، تمتد اليهم قطوفها ، و يتسلل قمر السماء من بين أغصانها المتشابكة .. و كانت جلسات المساء .. جلاء للنفس ، و مجمعا او مؤتمرا لحل مشكلة او عمل خير و إصلاح ذات البين .. حتى إذا ما انفض الساهرون ، أووا إلى فرشهم ، و ناموا ليلهم ، حالمين وادعين ..
بالأمس كان الزمن يمشي معنا و نمشي معه ، و لم نشعر باللهاث الذي نحن فيه اليوم ، حتى بلغ التسارع بنا حد الجنون .. و صدق من قال :
أوقفوا العالم أريد أن أنزل ..
كان الناس في زمن مضى ينتظرون أخبار الساعة الثامنة ، من التلفزيون ، يوم أن كان بالأبيض و الأسود ، و قبل أن تصبح النشرة اليوم ” بالأحمر”!!
و كانت الأخبار بحدود فرحنا أو حزننا .. قبل أن يتوحش هذا العالم و ” يتعولم ” !!
ففي كل ساعة أو نصفها ، مما نسمعه ، و نراه اليوم ، خبر كفيل بأن يجعلك تشعر بالغثيان .. و الحزن و حد القهر .. مات و قتل و فجر و فخخ و نسف و اغتال و هجر و هاجر و دمر .. الخ من هذه الكلمات التي باتت تقتل فينا حسنا الانساني ، لكثرة ترديدها ، و سماعنا و رؤيتنا لويلاتها ..
أصبحنا ننام و نصحو على بشاعة الانسان بأخيه الإنسان .. قتل و حرق لم ينج منه الانسان ، و لا الشجر و لا الحجر ..
مدائن كانت بالأمس عامرة بأهلها و مجدها .. بمعالمها و علمائها و مكتباتها و دور عبادتها ، ، أصبحت ركاما .. و أحالتها نيران الحقد إلى أطلال ،
و نفخت في نار الفتنة طائفية مقيتة . و تنادى القوم لثارات ، لم يطوها التاريخ ، و لم يمحها التسامح و التعقل .. و ارتفعت رايات و رايات ..
و صار القتل طريقا للجنة و الفوز برضى الله ..
كانت مدن تئن مثخنة بجراحاتها .. انفتحت عليها الأرض و السماء باللهب .. و علت أصوات الأحياء و الأموات ، فلا من مجيب ،، و كان الواعدون الوادعون .. يعدون تنازليا .. و يترقبون متى تسقط المدينة .. و تلفظ أنفاسها الأخيرة ..
كان الناس بين متوجس و مبتئس و داع إلى الله .. و كان ناس يعدون المحابر ، ليكتبوا المرثيات و القصائد .. سقطت .. انسانيتنا قبل أن تسقط المدينة .. أحرقها الغازون .. و خذلها المناصرون ..
.. .. قم يا سيف الدولة .. ها هم الروم قد عادوا .. و الأحزاب .. و أبو لهب
لكم الله أيها الشهداء
لكم الله ايها المشردون
لك الله .. يا حلب !
– أحمد المثاني –