الصندوق الأسود دليل المواطن الحزين / عبدالرحمن رشيد المومني

الصندوق الأسود دليل المواطن الحزين

منذ سقوط بغداد… كنت قد قررت ان لا اتابع النشرات الاخبارية ولا اقيم اي حوار بالسياسة.. واكتفي بمطالعتي وحواري مع الذات و مع القلة القليلة الذين يفهمون بحق معنى ان نختلف جوهريا سياسيا وفكريا دون ان يفسد ذلك علينا عمق الصداقة والاخاء والمحبة اللامتناهية… ولا حتى يفسد علينا لعبة التريكس. وحتى هؤلاء .. طوتنا الأيام تلو الايام بمعطيات عصر تركض بنا… وما زلت اشتاقهم كل يوم من زمن طويل.

الآن حصحص الحق

احداث كثيرة تتابع على صفحة الوطن… احداث لا بد وانها تجعل المبلم يتكلم (الاخرس ينطق).. وانا اتابع صامتاً كل التعليقات على الاحداث واستغرب حجم التناقض في فكر الشخص الواحد على احداث يمكن اسقاطها على مبدأ واحد… فهل هناك خلل في فكرة “المبدأ” اذاً ؟

مقالات ذات صلة

انا هنا اتقدم منك اخي المواطن العزيز… لست ناصحاً.. ولا خبير سياسي واقتصادي… ولا مصلح اجتماعي… انا اعظم من كل هذا… انا اخوك … ابن وطنك… اتمنى ان يتسع صدرك لبوحي.

منذ زمن بعيد… قبل سقوط بغداد … كنت قد توصلت لنظرية مدهشة… نعم صدقني انها مدهشة اكثر من الدجاجة برأسين التي انجبت بيضة مكتوب عليها (الله).. تلك التي اهملتها ولم تقل سبحان الله… وكانت السبب في حياتك البائسة.

انها نظرية الصندوق الاسود… ليس العائد للطائرات… لكنه صندوق اسود من نوع آخر… يستخدم اساسا في الهندسة العكسية للأنظمة… بحيث اننا ننظر لأي نظام على انه صندوق اسود… لا يعنينا ولا نرى ما يحدث في الداخل… المهم اننا نرى ما يدخل وما يخرج من هذا النظام. وبهذا … نستطيع ان نفهم النظام دون ان ننخدع بالتشابكات والتعقيدات التي تحدث في الداخل.

على سبيل المثال… هناك صندوق اسود… يدخل اليه العدس على شكل حبوب… ويخرج مطحون… في كل مرة يدخل حب ويخرج مطحون…. اذا دون تفكير كثير وتعقيدات… يكون هذا الصندوق الاسود (جاروشه)… او مطحنة… قد تكون الجاروشه المكونة من حجرين ثقيلين كتلك التي كنت احضرها لأمي من بيت عمتي وانا طفل… واكيل اللعنات تلو اللعنات للعدس وانا احمل احجار اثقل مني كل هذه المسافة لنشرب شوربة عدس… وقد تكون هذه الجاروشة مولينكس بسعر 400 دينار تحتوي على انظمة تحكم وتوقيت وتحتاج الى رخصة قيادة للعمل عليها…
لكن بالنهاية … هذا الصندوق الاسود… هو جاروشه.

اود تطبيق هذه النظرية على الكثير الكثير من الامور… لكن لضيق المساحة ولكي لا اطيل عليكم … سآخذ مثالاً واحدا اليوم.

مجلس النواب…
حين نأخذ مجلس النواب كصندوق اسود.. بمعنى.. انني لا يهمني الخطب العصماء… لا يهمني الاصوات العالية.. لا يهمني المبالغ المنفقة على الاسعافات من المشاجرات… لا يهمني التحزبات والفرق في الداخل… لا يهمني المؤامرات والاتفاقات الخفية والاثمان التي يشترى بها الرجال… لا يهمني كل ذلك..
اعتقد عندها انه ليس من الصعب رؤية المدخلات لهذا الصندوق:
آلاف المناسف وسدور الكنافة وملايين الدنانير اثناء الحملات الانتخابية… نفقات مجلس باذخه… والأهم من كل هذا … ثقة الشعب ولهفتهم وانتظارهم… احلامهم وامانيهم بغد افضل لهم ولأولادهم… والملايين الملايين من ساعات مأخوذة من قوة العمل البشري… مقسومة بين العاملين في هذا المجلس… وبين الشعب الذي يستهلك ساعات وساعات في متابعة المجلس ونقاش احداثه والكتابة عنه.
اما المخرجات… فهي التصدع والخلاف والمؤامرات الانتخابية… قرارات بقليل من التأمل ترى انها تصب لمصالح اشخاص وفئات محددة… (ربما على اعتبار ان الوطن يتمثل بهؤلاء الاشخاص)… خطب وكلمات.. بعضها جميل لاثراء كتب البلاغة والفصاحة… وبعضها جميل لتعليم السياسة وكيفية وضع السم بالدسم… وبعضها اشبه بالفخ اللغوي الذي يشد انظارك الى نقطة معينة رنانة وجذابة ليمرر كل البشاعة ورائحة العفن من امامك دون ان تراها او تشمها… وبعضها اشبه بسعيد صالح يحاول ان يقول (تذكرتين)… والعديد العديد من المضحكات المبكيات من احداث تحت قبة المجلس.
ربما انا اتجنى… ربما للمجلس دور مهم في تشريع القوانين الجوهرية التي من شأنها العدل واعادة الحقوق لاصحابها… ربما لهم دور وقرارات مهمه في صناعة غد افضل… بمحاسبة الفاسدين وايقافهم عند حدهم ومحاكمتهم… بايقاف الصفقات المشبوهه.. ربما لهم دور في رسم الهوية الوطنية ورسم ملامح الموقف الوطني من العالم المحيط بما يلبي رغبة وطموحات المواطن.
انا لست اعلم ولا اذكر اي شيء من ذلك… فاذا كان لهم انجاز من المذكور اعلاه يعلمه احدكم… فليخبرني وانا له من الشاكرين.
ان خلاصة مجلس النواب كصندوق اسود… انه صندوق يستهلك دم واعصاب وعمل ومال المواطن… ويخرج عنه قرارات وتوصيات هي في جوهرها تعمل لخدمة اشخاص وفئات محدده.
وبالطبع انا لست أؤيد الرأي الساخر المشين الذي قال اننا لو انفقنا المبالغ المنفقة على مجلس النواب باستثمار مزرعة ابقار .. لنافسنا هولندا واوروبا بالانتاج. بالعكس تماماً… نحن في هذا الوطن اثبتنا اننا قادرين على التطور والانجاز… ان هذه النقطة التي نقف بها الان على علاتها… اكثر الشعوب تطورا استغرقت اضعاف المدة التي استغرقناها لكي تصل الى نفس النقطة.
نحن بحاجة للثقة بالارض التي نقف عليها… ورؤية ثاقبة ومتأملة لكل ما نود ان نكون عليه… والعمل بهذا الاتجاه.

يقول ابن خلدون في مقدمته في تفسير التطور الاجتماعي في التاريخ العربي (لا يصح الملك اللا بالعصبية… ولا يطيب اللا بالتخلي عنها)

وهذا ما يحدث عبر الزمان والمكان… منذ آلاف السنين والى اليوم… كل نائب يسعى للملك (للمنصب).. يجمع من حوله رجاله… يستثير حميتهم وعصبيتهم القبلية او القومية او الطائفية… وما ان يصح له الملك… حتى يود الاستمتاع به… فيقوم باقصاء كل من كان حوله … ويتفاوت هؤلاء الشخوص بمدى ذكائهم بالاسلوب… والاسلوب مرهون بالمدة التي يودون قضائها تحت القبة… ويتفاوتون بالخلفية الاقتصادية والاجندات التي يحملونها… وانا لا الومهم… هذه هي الغريزة في عمق اعماقهم.

انتظارك اخي المواطن ان لا تدوسك الاقدام وان لا يتم خداعك هو حمق… هذه الاشياء تنتزع ولا تعطى… عليك انت ان تكون شامخا وراسخا… وعليك انت ان لا تسمح بخداعك وان لا تضل رهين اهواء وغرائز البشر.

انا لست في صدد طرح الحلول .. فالحلول قد تكون كثيرة ولا يجب ارتجالها فردياً… سواء كانت باتجاه تغيير معنى العصبية… او تغيير معنى المنصب ومنافعه وامتيازاته. بكلا الاتجاهين… يمكن مناقشة العديد من الحلول التي من شأنها اخراج مجلس نواب يمثل حقا هذا الشعب… والشعب هو من يمسك لجام الامور… واللجام ليس سوى الارادة الحرة المبنية على الوعي.

وكلمة الوعي تستوجب لفت الانتباه الى ان الوطن نفسه.. يمكن اعتباره صندوق اسود… وعليك ان تعلم اخي المواطن ان مخرجات هذا الصندوق تعتمد على مدخلاته… ومدخلاته هي ثقافتك ووعيك… ارادتك الحرة وصوتك الذي تمنحه لنائبك… احساسك انك جزء لا يتجزأ من هذا الوطن… رغبتك الصادقة بان ترى هذا الوطن اجمل… ليس لك وحدك… انما لكل المقيمين وكل من يشاركونك الوطنية… القيم والاخلاق التي تزرعها في ابنك… هي ما سيشكل مخرجات هذا الوطن.
كيف اذا كان السواد الاعظم… يعلم ابناءه العنصرية والكراهية… يعلمهم الشطارة بالغش بالتوجيهي… يعلم ابنه ان لا يتدخل بما لا يعنيه ويمشي جنب الحيط ويقول يا رب الستر… يعلمه ان اللهم نفسي… يعلمه ان الزيت اذا احتاجوه صحابه بيحرم على الجامع… يعلمون ابنائهم انه من الحمق مساعدة الاخرين لانهم سيأخذون مكانك… يعلمهم المعنى الحقيقي لان يكونو مهزوزين في العمق… يعلمون ابنائهم ان من لايؤمن بما تؤمن هو احمق وهو عدو ايضا… يعلمون ابنائهم الجوع… جوع الروح والقلب…
كيف لشعب يعلم ابناءه كل هذا ان ينتظر مخرجات اخرى من هذا الوطن ؟!!!!

لكم… ولأرض هي أرضنا… خالص المحبة والتقدير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى