
الخير في الأمة
د. هاشم غرايبه
من القصص المؤثرة التي تتوافق مع قوله صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ” [صحيح مسلم:3656]، قصة “حسن الإغْدِرلي”، آخر جندي عثماني غادر المسجد الأقصى، في عام 1982م، ليس إلى بلاده إنما إلى القبر، عن عمر بلغ 93 عاماً.
قابله مصادفة صحفي تركي يدعى إلهان بارداقجي، في المسجد الأقصى عام 1972 ، وكان عمره آنذاك 83 عاما، وقال بارداقجي، أنه كان يتجول في القدس إلى أن وصل أمام باب المسجد الأقصى، وقيل له إن هنالك جنديا بقي من الجيش العثماني الذي انسحب من القدس، وأنه يبدو عليه أنه مجنون، إذ أنه هنا منذ سنوات ويقف كالتمثال، لا يسأل أحدا شيئا، ولا ينظر إلا للمسجد.
اقترب منه وسلم عليه باللغة التركية، فحرك عينيه وأجاب بلغة أناضولية فصيحة: “وعليكم السلام يا بني”، فصعق الصحفي بإجابته بهذه اللغة.
فسأله ماذا تفعل هنا؟، قال: “خشيت أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم على تركي حراسة أولى القبلتين وثالث الحرمين”.
وسأله عن هويته فقال انه العريف حسن من الفيلق الـ 20، اللواء الـ 36، الفوج الـ 8، آمر رهط الرشاش الـ11.
وحكى له قصته: “حينما سقطت الدولة العثمانية، وفي سبيل عدم حصول نهب وسلب في المدينة – القدس- ترك جيشنا وحدة لحين دخول الجيش الإنكليزي إلى القدس، (فمن عادة الجيوش المنتصرة أن لا تعامل مثل هذه الوحدات التابعة للجيش المنهزم معاملة الأسرى عندما تلتقي بها)، وأصررت أن أكون من أفراد هذه الوحدة ورفضت العودة إلى بلادي”.
ويتابع آخر الحراس الأتراك: “بقينا في القدس خوفا أن يقول إخواننا في فلسطين، ان الدولة العثمانية تخلت عنا، أردنا ألا يبكي المسجد الأقصى بعد أربعة قرون من حمايته”.
وأكمل العريف حسن: “ثم تعاقبت السنون الطويلة ومضت كلمح البصر، ورفاقي كلهم انتقلوا إلى رحمة الله تعالى واحداً واحداً، (وكان عددهم ثلاثة وخمسين رجلا)، وبحمد الله لم يستطع الأعداء أن يقضوا عليهم، وإنما القدر والموت”.
يقول الصحفي التركي، لقد طلب مني العريف، أمرا أخير وأصر عليه، قال لي: ” يا بني، عندما تعود إلى الأناضول اذهب إلى قرية “سنجق توكات”، فهناك ضابطي النقيب “مصطفى”، الذي أودعني هنا حارساً على المسجد الأقصى، ووضعه أمانة في عنقي، فقبِّل يديه نيابة عني وقل له: سيدي الضابط، إن العريف (حسن الإغْدِرلي)، رئيس مجموعة الرشاش الحادية عشرة، الحارس في المسجد الأقصى، ما زال قائماً على حراسته في المكان الذي تركته منذ ذلك اليوم، ولم يترك نوبته أبداً، وإنه لَيرجو دعواتكم المباركة”.
وظل العريف حسن حارسا على الأقصى تاركا وطنه وأهله، وفي قلبه شجاعة ووفاء وعزة لا يعرفها إلا المؤمنون، لكن الموت الذي أخذهم واحدا تلو الآخر، أخذه في العام 1982، ليكون آخر حراس الأقصى العثمانيين.
تعرضت أمتنا في تاريخها للكثير من التزوير، لكن من أكثرها إضرارا بها كان ترسيخ مقولة “الاستعمار العثماني”، والتي انتشرت في القرن التاسع عشر على يد فئتين: الأولى عملاء المخابرات البريطانية، والثانية وللأسف من ابناء الأمة الذين كانوا يعتقدون أنهم يريدون بذلك للأمة خيرا.
لم ينتج ذلك تحررا وطنيا ولا استقلالا، بل شيئا واحدا: الانتقال من الحكم العثماني الى الاستعمار الأوروبي، فمن الفريق الأول حصلنا على هذا النظام العربي البائس، ومن الثاني التيار القومي الحالم بالوحدة العربية، ولكن رموزه فعليا كانوا صورة عن ملوك الطوائف، ويوغلون سنة بعد سنة باتجاه التقسيم والشرذمة، لدرجة أن مطلب الوحدة العربية تقزم للمطالبة بالوحدة الوطنية للقطر الواحد.
صحيح ان الدولة العثمانية كانت خلال نصف القرن الأخير فاسدة، لكن ذلك ليس لأنها إسلامية، بل بإذكاء عملاء بريطانيا النزعة الطورانية (القومية التركية).
وصحيح أن الظلم والتأخر حاق بالأقطار العربية، خلال تلك الفترة، لكن لم يكن الحل بالقفز الى حضن الضبع (بريطانيا).
دولة الخلافة العباسية (العربية) انتهت قبل مجيء العثمانيين بقرون، فقد حكمها السلاجقة (أتراك)، والمماليك (بلاد الخزر)، والأيوبيين (أكراد)، والبويهيين والصفويين والعبيديين (من أصول فارسية)، ولكنهم مسلمون، ولا يقلون حرصا على الأمة من العرب، فلم يقل أحد أنهم مستعمرون.
فلماذا القول ان العثمانيين مستعمرون !..
في كل الخبائث ..ابحث عن الأصابع البريطانية!!.
