العرب والشوكة الناعمة / رغد ياسر النسور

العرب والشوكة الناعمة

نعيش في ظلمة حالكة، في وسط مجهول، نسير وأعيننا مغلقة، تبصر نورا من نسيج خيالنا المنسي، نسمع صوت صدى ينادي من بعيد، صوتا هادئا واثقا، يدفعنا إلى الأمام و نستمر، يدفعنا إلى طريق الهاوية، إلى حافة الأزل، عقولنا مغشية، تدرك بأن نهاية هذا المطاف هو الفناء، نستجمع ما تبقى لنا من قوة لنحاول التراجع ولكن نعود إلى طريقنا مع الخوف من قول الحقيقة، مع كل الخنوع و التراجع.
“فلسطين أرض عربية ..فلتسقط الصهيونية” شعار رنان و مدو، و إنه لعمري من أهم الشعارات التي رفعت، نادى به العرب في كل زمان ومكان، من كل الأديان و الأقوام، من كل الأعمار والفئات، نادت به أحزاب و جماعات عديدة مهما اختلفت توجهاتها، أدرجته الأمة ضمن أولوياتها، قالوه وصدح صوتهم به ، وهز العالم بصداه، ولكن قد اختفى هذا الصوت، ربما لأننا اعتدنا على ذلك، ونرجع إلى ماهية أمرنا و هو القول لا العمل، نادوا به و فلسطين تسحب إلى وسط إعصار، إلى داخل زوبعة، ضاعت منا الحبيبة على حين غرة، ضاعت وسط الزحام، وأي زحام هذا؟ ولم يوجد في الطريق إلا هي ،إلا فلسطين، أم نسجنا و اختلقنا هذه الفكرة؟ ورسمنا ذلك الطريق لنريح ضمائرنا التي تقارب أن تصبح ميتة؟! و تتسابق الأفكار و الاعتقادات إلى أذهاننا و تتبعثر فهل من مجيب؟!
اضطهدت من قبل وحوش الصهاينة، أوهم العرب بان اليهود لا نية لهم بدخول فلسطين، حتى حلت الطامة الكبرى و هي نكبة الثمانية و الأربعين، ذلك التاريخ المسطر في الكتب، تلك المأساة الإنسانية التي شردت العديد من الفلسطينيين، تلك المهزلة و المسرحية الممثلة و القصة الكاذبة ، للتمهيد لشيء أعظم من ذلك الحدث الكاسر للعرب المربح للغرب فبعد تسعة عشر عام من رسم الخطط و تلفيق الأكاذيب، ضربنا على رأسنا بسيف الذل، فكانت نكسة السابعة و الستين التي سلبت فيها معظم المدن الفلسطينية نائبه عظيمة و صدمة صارخة، صيحة مدوية ووجع ملهب، و اختلفت ردود الأفعال و تعددت ما بين إرسال للجيوش، أو تنديد وتهديد، و أقوال لا يرجى منها فائدة ، ما بين صلاة و دعاء لإخواننا في فلسطين، وهل أرجعناها ؟لا، ولن نستطيع إرجاعها، و هيهات أن تسترد! كيف تسترد و هنالك صدع عظيم في وحدتنا؟ أترجع وقرارنا مسلوب ومواقفنا مرسومة و عقليتنا محدودة؟! أم أن استحالة السؤال توحي بغياب الجواب أم أن واقعنا إجابة كافية لهذا السؤال الضائع ؟! فكما يقال “تلك القشة التي قسمت ظهر البعير” فكانت فلسطين سبب في تأثر اخواتها العرب
نبدأ العراق الجريح، فعند الحديث عن العراق فإن اللسان يعجز عن التعبير والعقل يتوقف عن التفكير، فهي كلمة كبيرة عندما نسمعها تشتعل قلوبنا بالمحبة و تدمع عيوننا الحائرة فرحا و حزنا،و تعجز ألسنتنا عن التعبير،عن الحديث عن حضارتها ،علمها وعلمائها ،عن قائدها المحنك وعن جيشها العظيم ،فأتى الغرب و زرعوا بذور الفتنة الوضيعة في أراضيها الشريفة ، واعتنوا بها، فأنتجت وكما أرادوا شعوبا متحاربة وقبائل متناحرة ، فقتل القائد و شرد الشعب ، و ذهب العراق في مهب رياح الغدر.
نذكر سوريا الألم، سوريا الأمل،و سوريا الكفاح،أعيث الفساد فيها ، تحولت إلى أرض دمار و ضياع ، إلى أرض ثعابين و ذئاب تنهش بجسدها و تبث السم فيه، تحولت من أرض عطاء إلى ارض منح و مساعدات،من أرض النور إلى ارض الظلام ،فأطفال لاجئون ونساء أرامل وشباب جاهل هم شعبها ، والقصف و الدمار هو واقع يومها،والزوال والفناء هو الأكيد في مستقبلها.
وهل نذكر مصر” أم الدنيا ” ،تونس الخضراء،والجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد، التي تحولت إلى دول الحروب والانقلابات ،و دول الفتنة و الانقسامات، دول التاريخ المنسي و الواقع الأليم المسطر في كتب الذل ، فإلى دول العروبة الصامتة نتحدث أم إلى دول الصم ننادي؟أنناشدهم و نتوسل إليهم ، ليعتنوا بأطفال لا ذنب لهم، أطفال مشردون في عمر الورود، و شباب المستقبل الذين يقتلون، فإلى أي عروبة أتحدث وإلى أين سيتجه صدى صوتي.
فربما لاحظتم أيها العرب بأن ما يصيبنا حاليا هو سبب واضح لابتعادنا عن الدين، فخذلنا مدن فلسطين،و وصلنا لمرحلة الضمير الميت ، فكيف نسمح لأنفسنا بأن نهدم حضارة أفنى أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد -عليه أفضل الصلاة والتسليم- حياته و جهده في بنائها، ومن بعده الصحابة الكرام الذين بذلوا قصارى جهدهم ليحافظوا عليها، أين تلك الحمية العربية؟ أين تلك القوة الصارخة؟ هل نبحث عنها في أزقة العار والذل؟ أم في قلوبنا الخائفة؟أم في مدن الدمار و الهوان؟ هل نبحث عنها في عيون الأطفال اللاجئين؟ أم في قلوب الشيوخ المكسورين؟ أم في نفوس الأرامل؟ أم في أجساد الشهداء الطاهرين؟
نهاية الحديث و مختصره، ومن موقعي هذا،أتحلى بكامل الشجاعة و عزم الإرادة ،لأوجه رسالة عميقة المعنى ،واضحة الهدف، إلى شعوب هذه الأمة العظيمة العريقة ، لقد وقعنا اليوم في فخ جهلنا و خنوعنا، في مصيدة ملذات الدنيا و أنانيتنا،لقد حان وقت النهوض من سباتنا الذي طال و امتد، علينا الاستيقاظ من وهمنا المختلق ، ابدأ بنفسك لتستطيع تغيير من حولك اسم بأخلاقك وارتفع حارب الفتنة و ازرع المحبة والأمل اغرس عزما لتحصد قوة و توكل على الحي القيوم و استقم وانهي حديثي بدعاء صادق نابع من قلبي ومن قلب كل عربي عزيز إلى أمتي العربية فيا الله انصر إخواننا في فلسطين و سائر الأقطار العربية وانصرهم على أعدائهم الغاشمين وثبتهم يا رب العالمين وأرجعهم إلى صراطك المستقيم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى