العيون الأجمل .. مَغاريف البطون .. !! / أحمد ابو مالك

” العيون الأجمل .. مَغاريف البطون .. !!
جَلَسَ بينَ أبنائِهِ ورأْسُهُ بين كَفيهِ يختلسُ نَظْرةً خلْفَ نظرةٍ على عيونِ أَبنائِه، وقْد إنْطَفَأَ بريقُ عيونِ أبنائِهِ من قِلَِّّةِ حْيِلَتهِ وقِلَّةِ طعامِهمِْ …، مَرَ أمامهُ طَيْفٌ من ذِكْرياتِ الصَِِّبا إلى ما بين يديه الآن، وكُل ماَ مَر أمامَهُ هيَ عيونٌ في حياتهِ وكيف كانْت تلكَ العيونُ في أوقاتَها العيونُ الأجملْ .
مِن عينِ الماءِ في قريتهِ التي رفرفتْ حَولَها طفَولَتُهُ، وكيفَ إرْتَوَى منِ ماءِها وإغْتَسَل وَلَعِبَ مَعَ رِفَاقِهِ بقنواتِها وأَطْفَأَ نارَ جَسِدهِ الساخن في الصيف اللاهب من ماءها البارد العذب، ومن ماء العين بلّلَ كل قسوة الطفولة القروية، ومن عين قريته انتقل إلى المدينة، وكان باب منزلهم الجديد يحمل عيناً سحريةً يرى الناظر من خلالها مَن هو خارج البيت فكانت تسليتهُ الوحيدة في بيتٍ مغلق، فيصعد إلى الكرسي وينظر فيرى كلَّ من يمر بباب بيتهم، فكانت هذه العين السحرية الأجمل تسليةً في بَيْتِهِمْ، وفي طيف ذكرياته رأى شيخهُ في المسجد وقد تفتحت عينيه على عيون الكتب، ورأى عين الحقيقة على يدي معلمه في المدرسة، وفي شوارع مدينته رأى العين الساهرة، وفي وجه أمه رأى العين الحانية، ورأى العين الكادحة الصابرة في وجه أبيه المُتعب، وامتدت به سلسلة العيون إلى العيون التي راقت في عيونه كنظرةٍ أولى في شبابه فكانت مغاريف الكلام، فتزوج من صاحبة تلك العيون والنظرة الأولى فكانت أمَّ أولاده.
وها هو يجلس بينهم ورأسه بين كفيه وعيونه مغطاة بأصابعه تُداري دموعه …، نهض بعد شهقةٍ طويلةٍ جففت حلقه، قاصداً مطبخ بيته ليبلِّلَ حلقه، فوقعت عيونه على عين الغاز المشتعلة وعليها إناءٌ يحمل رائحة الطهي، وقد تعجب من ذلك، فمنزله ومطبخه منذ ارتفاع سعر الغاز لم تشتعل به النار، وبقيت عيون الغاز على سوادها وبرودتها ولم تكتسي بالأزرق المشتعل، سأل زوجته وهو ينظر في عيونها … مِن أين؟ فأجابته : لقد إقترضت عشرة دنانير من جارتنا لشراء الغاز … لقد اشتاق الأولاد للطبيخ…!!
صمت طويلاً وهو ينظر إلى عين الغاز المشتعلة وزرقتها التي أنارت ظلمة الأواني، وقال هامساً: عين الغاز الزرقاء المشتعلة أجمل العيون في حياتي إنها العيون الأجمل، إنها مغاريف البطون الخاوية لتملأ العيون الجائعة …!!. “.
؛؛؛ #وكفى !!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى