هزاع البراري – «أمير الكوميديا» الفنان موسى حجازين ليس مجرد ظاهرة عابرة، أو موهبة فنية تتعثر حيناً وتنجح حيناً، بل غدا ومنذ فترة طويلة حالة فنية فريدة وراسخة، وعابرة للأجيال، وشكّل بفضل استمراريته من حيث المستوى والتجديد، وانتقاله من نجاح لآخر، وقربه من نبض الحياة اليومية، واستمطار الكوميديا من وجع الناس وشكواهم، وتحويل التفاصيل اليومية، إلى عمل فني رائج يستند على الموهبة الحقيقية، والمقدرة الفذة في تقديم شخصيات متغايرة في الملامح والبنى النفسية والفكرية. فلم تكن شخصياته الرئيسية مثل: سمعة وعطا وأبو صقر، تنويعات على إيقاع واحد، بل كانت كل شخصية ناضجة ومكتملة، ومستقلة في شكلها وآفاقها ومدلولاتها، بالإضافة لما يتمتع به الفنان موسى حجازين من مواهب تتكامل، كالعزف والغناء والتلحين، لتجعل منه فناناً شاملاً، قادراً على تقديم المختلف والمدهش، دون الحاجة إلى استدرار الضحك من خلال التهريج، والحركات الفائضة عن الحاجة، والنكت خارج البنية الدرامية.
إن ما يتمتع به جل الفنانين الأردنيين، لا يقل عن ما يتمتع به عظماء الكوميديا العربية، من مواهب أصيلة، وتعليم أكاديمي، وحضور شعبي قوي نسبياً، غير أن ضعف الروافع الأساسية في الإنتاج الدرامي، وغياب سياسات صناعة وتسويق النجوم، وندرة وجود شركات انتاج محلية برؤوس أموال كبيرة، ورؤية فنية تنطلق من الداخلي إلى الخارجي، بالإضافة لغياب الدعم الرسمي الملموس، جعلت من جهود الفنانين وما يقدمونه من أعمال بإمكانيات مادية متواضعة، عبارة عن جزر معزولة، لا تخلق حراكاً فنياً منافساً. غير أن موسى حجازين، ومن خلال أعماله في التلفزيون والمسرح، تمكن من تكوين رصيد فني وشعبي كبيرين، والمتأمل بعناية لمشروع موسى حجازين الفني، يلاحظ ما ينسحب على معظم أعمال الفنانين الأردنيين، حيث يغلب عليها الجهود الفردية العصامية، وبالتالي محدودية منافستها عربياً، في ظل أعمال فنية ضخمة الإنتاج، وتستند على ماكينة إعلامية مبهرة.
موسى حجازين ينحاز إلى شقاء الناس المهمشين، ويصنع من آلامهم وأوجاعهم وجوعهم، لوحات فنية مضحكة مبكية، يعمق من خلالها الجرح، ويسهم في كشف فساد المفسدين، ويضع أصبعه المغمس بالملح على الجراح الكثيرة، التي تشكل ملامح البؤساء من المواطنين، مما يجعله قريباً من هواجسهم وأحلامهم، معبراً عن أفكارهم نحو حياة بسيطة أقل تعقيداً وفساداً، فموسى حجازين الريفي الفقير، الذي لم يغادر ريفيته النقية، ولم ينسَ ما حفر في وجدانه منذ الطفولة وأيام الصبا، من صعوبات العيش وقسوة الظروف التي عايشها شخصياً حينها، ولا شك أن مسحة الحزن التي تغلف ملامحه، حيث تتجلى في أكثر صورها إيلاماً، عندما يصل بالمتابع إلى الذروة الكوميدية، فتتحول الضحكة المجلجلة إلى ما يشبه الصرخة المكتومة، تصبح همهمات حزينة، وكأنها تنهل من الدموع التي تتراكم في عيني موسى حجازين، فيغالبها بصعوبة كما هي عزة النفس، صعبة ومكلفة، هكذا يكون موسى حجازين على حافة البكاء، فيضحكنا على أوجاعنا، ويبكينا على أحلامنا التي تجمدت وتحولت إلى ذكريات، فيكون هذا الفنان الفريد والمتميز، هو من يعطينا الفرح الحزين، ويبكينا ونحن نمسح دموع الفرح.
يشكل العمل المسرحي الأخير «الآن فهمتكم» إضافة نوعية في مشروعه الفني، وهو عمل يغوص في تفاصيل اللحظة الراهنة، ويعد العمل المسرحي الأول للكاتب الساخر أحمد الزعبي، الذي قدم تجارب درامية مختلفة، إلا أنه يعلن عن نفسه مسرحياً هذه المرة وبتميز، وهذا العمل الذي يحقق نجاحاً لافتاً، من خلال نخبة من الفنانين الشباب، رغم بعض الهنات الدرامية التي عانى منها العرض، نصاً وإخراجاً، حيث لا مجال للخوض فيها هنا، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية هذا العمل، بل أجد نفسي في موقع المعجب والمقدر، الذي يحيي فريق المسرحية، مؤكداً أن موسى حجازين فنان هاضم لتغيرات الأجيال، يسير بخطوات مدروسة، ويستمر في الصعود نحو قمة تتجدد كل مرة، فهو كمالك الحزين، جميل بحضوره وحزنه، تترك أعماله أثرها العميق في نفوسنا فتغيرنا، فهو لا يسلينا أو يخفف عنا، بقدر ما تضيف أعماله أسئلة جديدة وأعباء أضافية، نحملها معنا ونحن نغادر صالة العرض.
أ.ر