ديمقراطية مؤسسات المجتمع المدني: الانتخابات نموذجاً / مداليا العفوري

ديمقراطية مؤسسات المجتمع المدني: الانتخابات نموذجاً
مداليا العفوري

لا يزال مفهوم الديمقراطيه وما يدخل ضمن مجالها من اكثر المفاهيم التي تثير جدلا واسعا في الاوساط كافه. ويلف حول المفهوم الغموض والخلاف نتيجه لاختلاف وجهات النظر في المفهوم كنظريه وبين التطبيق العملي لها ضمن عوامل وظروف تختلف من مستوى الى اخر.
إلا أنه –ومهما اختلفت وجهات النظر حول الديمقراطية-، فإن العلاقة بين الديمقراطية والانتخابات تبقى قاسماً مشتركاً بين كافة الآراء ووجهات النظر. فالانتخابات والديمقراطية ترتبطان بعلاقة تلازمية بين بعضهما البعض، وتعتبر الانتخابات الوسيلة الأهم لتحقيق الديمقراطية بكل مبادئها كهدف، فلا تكن هنالك ديمقراطية بدون انتخابات.
في التفاصيل، إجراء انتخابات حرة ونزيهة لا يأتي بدعوة الأعضاء للتصويت وإجراء الاقتراع السري كهدف بحد ذاته وإنما مدى القدرة والرغبة على إجراء هذه الانتخابات في ظل بنية تتمتع بالحقوق الأساسية وتؤمن بالحريات العامه وتمارسها فعلا على أرض الواقع وتفصل بين الجهاز الوظيفي والعمل التطوعي كلا ضمن صلاحياته حسب النظام الأساسي للمؤسسة أو الدستور عندما يتعلق الأمر بالدولة.
وعند طرح ملف الديمقراطية في مؤسسات المجتمع المدني من أندية وجمعيات ونقابات ومنظمات حقوقية، فإن ما يهمنا هو البحث في جوانب القصور في العملية الانتخابية ومدى الاستجابة الحقيقية للتحول الديمقراطي لبناء نظام وفق المعايير الديمقراطية. هذا لا يعني أن يكون هنالك غياب للمبادئ الأساسية للقيم المؤسسية والتي تعتبر الركيزة الأساسية للبناء وتطور المؤسسه للوصول الى المشاركه والتمثيل والمساءلة والمساواة أمام القانون.
مؤسسات المجتمع المدني والانتخابات
وعند تحليل المشهد الانتخابي الداخلي لأي مؤسسة مجتمع مدني من نقابات أو جمعيات، بل وبعض الأحزاب أحياناً، والتي “تتغنى” بالديمقراطية وتعتبرها نهجاً ومطلباً لها، يتبين لنا أن عوامل عدة تؤدي الى الانحراف عن مبدأ الديمقراطية، ما يؤثر بشكل مباشر على رسالة هذه المؤسسة في خدمة أعضائها.
من أهم أسباب هذا الانحراف، انتقال الولاء من المؤسسة إلى “الشخص” الذي يقود هذه المؤسسة. هذا الولاء للشخص لايكون عادة ناتجاً عن كاريزما هذا الشخص أو دوره في النهوض بهذه المؤسسة أو دفاعه عن حقوق أعضائها أو تحقيق أهدافها. بل من خلال سيطرة هذا “الشخص” على القرارين الإداري والمالي.
عامل آخر يسهم في انحراف هذه المؤسسات عن مبدأ الديمقراطية وهو مرتبط بالعامل الأول، وهو سعي “المتطوعين” والعاملين في هذه المؤسسات للحفاظ على مكاسبهم المادية والمعنوية. فتصبح كافة أهداف هذه المؤسسات ليست ذات أولوية إذا ما كانت ستؤدي إلى خسارة هذه المكاسب. بل إن مفهوم العمل التطوعي يصبح بلا معنى أو قيمة في ظل “التنفيعات” التي يتم توزيعها يميناً ويساراً. وهو الأمر الذي يشبه إلى حد كبير آلية عمل مؤسسات التمويل الأجنبي التي “تغدق” على متطوعيها بالأموال، ليتحولوا تدريجياً إلى أدوات بيد الجهات الأجنبية الممولة، ويصبح الحصول على دعم هذه الجهات يحظى بالأولوية على حساب الأهداف الحقيقية التي أنشئت من أجلها هذه المؤسسات وانخرط لتحقيقها المتطوعون.
انحراف المؤسسات من نقابات ومؤسسات مجتمع مدني عن جوهر الديمقراطية، أدى بالضرورة إلى تراجع العمل التطوعي في هذه المؤسسات، وأصبح العمل والتطوع في هذه المؤسسات مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكاسب المالية التي سيجنيها المتطوعون. فكما شوهت الجهات الخارجية المانحة العمل التطوعي، فإن الانحراف عن جوهر الديمقراطية في مؤسسات المجتمع المدني فعلت الشيء ذاته. ويكفي النظر إلى واقع العمل النقابي لنعرف خطورة ما وصل إليه الحال في هذه المؤسسات.
أعتقد أن علينا تكريس مجموعة من المفاهيم لإعادة مؤسسات وطنية نفخر بها وبدورها إلى مكانتها وأدائها الطبيعيين. ومن أهم هذه المفاهيم هو تثبيت معايير الانتخابات الديمقراطيه والتي تضمن حصولها بحرية ونزاهة:
– الحياد التام والشفافيه للقائمين والمشرفين على العملية الانتخابية. وعدم استغلال البعض لنفوذه المالي أو الإداري لمصالح انتخابية ضيقة.
– المعيار الكمي الذي يعتبر ضرورة هامة لعدم اقتصار الانتخابات على مرشح واحد واستخدام كافة الاساليب من الترهيب والترغيب لضمان فوز مرشح دون الآخر، وضمان مشاركة فاعلة من قبل العضوية، وعدم اقتصارها على مشاركة هزيلة لا تتعدى ال25% كما يحدث في بعض النقابات أو استخدام “ألقوات المحمولة” كما هو الحال في بعض الأندية الرياضية ومؤسسات المجتمع المدني.
– المعيار الكيفي الذي يتمثل بوجود برامج مختلفه تتيح للعضويه الاختيار من بين بدائل مختلفة. وتجعل من البرنامج الانتخابي والداء على الأرض المعبارين الأساسيين لانتخاب هذا المرشح أو ذاك.
ويبقى الأهم في أن يشعر أعضاء هذه المؤسسات والمنتسبين لها أنهم شركاء في صنع القرار وأن الانتخابات هي نقطة مفصلية في تقييم ومحاسبة الهيئات المنتخبة.
وسأعمل على إصدار دراسة تفصيلية لواقع مؤسسات المجتمع المدني “الديمقراطي” لإعطاء هذا الملف الهام حقه. #قريباً
فاخر الدعاس

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى