
تكافل اجتماعي
أليس من حق الجار على الجار مواساته والوقوف معه بأي محنة تحِل به أو بأهله ؟ نعم أنا مع حفظ أمن البلد وحمايتها من كل مندس ومخرب . لكن بالمقابل ما ذنب كبار السن والأطفال ؟ (تكافل اجتماعي) اخترتها لكم من كتابي “شذرات من التراث ج 1”
صباحاً المختار مثقال في ديوانه يحتسي القهوة العربية مع سيجارة الهيشة برفقة زوجته زريفة , ليقطع حديثهما صوت صياح ونواح جارتهما أُم قسيم … فوراً تقول زريفة : سترك يا رب هاظا صوت فزة الله يتشفينا الشر . فينهض مثقال من مكانه ويقول : يا رب تجيب العواقب سليمة خليني اروح اشوف شو القصة .
عند باب الدار يلتقي مثقال بأنور الأهتر يركض مسرعاً فيصيح عليه قائلاً : ولك يا أنور وشو بي ؟ فيرد أنور وهو يركض قائلاً : عمي أبو دتيم مات وأني لايح أدول لأبوي (عمي أبو قسيم مات وأني رايح أقول لأبوي )… فيقول مثقال : لا حول ولا قوة إلا بالله إنا لله وإنا اليه راجعون , رحمة الله عليك يا أبو قسيم.
يصل مثقال دار جاره المرحوم فيلاقيه ابنه قسيم والدموع على خديه ويرتمي في أحضان مثقال وهو يقول : راح صاحبك يا عمي أبو طايل وبدون ما يودعنا راح وتركنا لحالنا … فيرد مثقال قائلاً : شد حالك عمو قسيم وربنا يرحمه ويغفر له , بدي إياك زلمة مثل رحمة ابوك تعال معي على المضافة .
وفي المضافة وبشكل فوري يتم توزيع المهام تحضيراً للدفن بعد صلاة الظهر , فها هم رسمي أبو الضباع يتكفل بغسل المرحوم وتلقينه , وزيدان بالحفر , ومفضي (المقحمش) بالكفن , وأبو العُريف بالعطر والحناء , ومثقال بتجهيز طعام .
مساءً وفي المضافة ها هو مثقال وقد أجلس على يمينه إبن المرحوم قسيم لتقبل واجب العزاء … يميل مثقال عل يساره ليهمس في إذن رسمي قائلاً : لد علي لا تتركوا قسيم لحاله وخليكوا هالأتشمن يوم معاه وواسوه بمحنته , الله يرظى عليكوا تراه ابو الله يرحمه كان زلمة دافي . فيرد رسمي : ولا يهمك مختار إبشر طال عمرك .
بالمقابل زريفة وجاراتها وقد التفين حول أُم قسيم لكي لا تشعر بالوحدة لدرجة ان البعض منهن يقضين عدة ايام بلياليهن ليواسن ام قسيم كدعم معنوي , اما الدعم المادي لم يغيب عن المشهد … فها هي زريفة تقول لكنتها سليمة : هو يا عمة روحي عالدار وجيبي معاتش الحِرمة (حرامات) ودلال القهوة . بالإضافة لدعم من هنا ودعم من هناك .
حتى الأطفال لم يفوتهم كسب الأجر والمواساة وما حدث مع محسن حفيد المختار مثقال وصديقه أنور الأهتر لهو خير دليل على ذلك … فابو قسيم رحمه الله له ولد عمره لا يتجاوز الست سنوات واسمه زطام …. حيث اتفق محسن وانور على التخفيف من مصاب زطام وقررا شراء بعض الحاجيات والسكاكر فتوجهوا الثلاثة لدكانة عبد الله الإقطم وعند وصولهم قال محسن : السلام عليكم عمي بدي بقرشين مخشرم ومطعّم … فيرد عليه عبد الله قائلاً : هلا بالنشامى منهو هاظ اللي معكوا ؟ وبسرعة البرق يرد عليه انور : دتام يا عمي دتام ابن عمي ابو دتيم الله يرحمه , وبدنا نتلي له توية حلو متان ابو مات ( زطام يا عمي زطام ابن عمي ابو قسيم الله يرحمه , وبدنا نشتري له شوية حلو مشان ابو مات).
فيترحم عبد الله على ابو قسيم مع ابتسامة تحمل في طياتها الشفقة على زطام والفخر بمحسن وأنور ويقول لهما : الله يجزيكوا الخير وهاي شوية تشعتشبان مني ليكوا .
صورة رائعة من التكافل الإجتماعي تخلو من الغُلّو والمُباهاة , كما أنها تُعبر عن صدق المشاعر سواء اكانت بين الكبار او حتى الصغار … الكل قام بما يشعر انه واجب عليه , حتى محسن وأنور لم ينأيا بنفسيهما عن تحمل المسؤولية .


