
حياة الآخرين
فؤاد الجندي
في مقابلته مع مالكولم جاك في الجارديان يقول المخرج الألماني فلوريان هينكل ڤون دونرسمارك حول كيفية صنع أول أفلامه الروائية ( #حياة_الآخرين):
“في شتاء 1997 ، خلال سنتي الأولى في مدرسة السينما في ميونيخ ، كنت مستلقياً على الأرض أستمع إلى الموسيقى ، وبدأت أفكر كيف أخبر لينين ذات مرة أفضل أصدقائه أنه لا يستطيع الاستماع إلى سوناتا البيانو المفضلة لديه بقدر ما يشاء ، لأنها تجعله رقيقًا ، وقد تمنعه هذه الرقة من الرغبة في إيذاء الأشخاص الذين ينبغي عليه إيذاءهم.
فجأة ، خطر ببالي صورة: رجل يرتدي سماعات رأس ، في علية قاتمة وكئيبة ، يستمع سرًا إلى أعدائه ، لكنه يسمع قسريًا نوع الموسيقى التي كان يتجنبها طوال حياته. فتحت جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي ، وبدأت في الكتابة ، وفي غضون ساعة تقريبًا كتبت الخطوط العريضة للفيلم”.
الفيلم الحائز على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2006 تدور أحداثه شتاء عام 1984 في برلين الشرقية، حيث السيطرة المطلقة لأجهزة الأمن في نظام شمولي استبدادي نخر الفساد جميع أركانه ، وكانت كوادر الفيلم الرمادية الباردة تنقل للمشاهد هذا الإحساس بالثقل المجهد للنفس.
لن أقوم في هذا المقال بعرض أحداث الفيلم ، لكني أود الإشارة إلى الفكرة الأساسية فيه والتي لمعت في رأس مخرج الفيلم وكاتبه حول بطل الفيلم الذي كان يعمل مدرباً في طرق التجسس على المواطنين باعتبارهم أعداء للوطن والقيادة فقط لشبهة التفكير والرغبة في التحرر وكيف تحول إلى مدافع عنهم عندما غاص في قصصهم الجميلة والحزينة المليئة بالقهر والأحلام المطحونة ، واستمع لموسيقى الحياة بكل فرحها وشجنها ، وكيف اكتشف أيضاً أن النظام حوله إلى آلة باردة بلا حياة ، تماماً مثل أجهزة التنصت التي يستخدمها في التجسس على المواطنين ، وبدلاً من رفع التقارير التي كانت قيادته تنتظرها منه لأسباب شخصية بحتة ، بدأ بتقديم تقارير كاذبة لحماية الأشخاص الذين كان يراقبهم منحازا بذلك لانسانيته بأبسط حقوقها في الخصوصية والحرية في التعبير.
الطريف أن المخرج يشرح في مقابلته ظروف إطلاق الفيلم بعد الانتهاء من تصويره ويقول أنه طاف على كل الشركات الانتاجية كي تتبنى إطلاق الفيلم ولم يجد أي شركة تتحمس للفكرة باعتبار الفيلم كئيب جدا وخاصة أنه أول فيلم طويل يخرجه ، غير أنه وجد أخيرا ثلاثة أشخاص في إحدى الشركات وافقوا على تبني الفيلم وإطلاقه تجاريا ، ولولا ذلك لكان الفيلم ملقىً على الرف إلى الآن يعلوه الغبار ، ويختم شهادته بمقولة جميلة “إن الخط الفاصل بين النجاح والفشل خط رفيع جدا”.
إن أبسط مبادئ الحقوق الإنسانية العيش بحرية بما يضمن قدسية الحياة الخاصة لكل انسان ، ولا أدري ما هي العقلية التي تجعل أي شخص يبيح لنفسه أن يتلصص على خصوصيات البشر كي يسلب (حياة الآخرين).
