
جسر الإنتحار
* مدير مركز إكليل للدراسات والاستشارات
عندما قامت الدولة بإشراف أمانة عمان بإنشاء مايسمى جسر عبدون المعلق(التحفة) ليكون شاهدا معماريا في غرب عمان ليربط بين منطقتين حيويتين هما الدوار الرابع وعبدون وامتدادهما، كانت تظن انها ستدشن معلما بارزا شاهدا على حداثة البنية العمرانية ورمزا لائقا قريبا من مركز الحكم لرئاسة الوزراء بامتداد منطقة عبدون التي تعتبر الأكثر ثراء في اسعار عقاراتها ومكوناتها من ماركات عالمية وتقليعات تعني شريحة من اصحاب الثراء الجديدة التي يضرب المثل فيها وفقا لأدبياتنا الشعبية (بتفكر حالك ابن عبدون).
الإنتحار من على جسر عبدون لم يكن يدر بخلد من قاموا بالتخطيط والتنفيذ لجسر الانتحار، فهذا الجسر المزدحم على مدى الساعة بدأت تزدحم فيه محاولات الإنتحار التي يحدث بعضها ويتعثر الآخر، فهو جسر مكشوف للأرض وسهل ان يقوم المنتحر بالقفز منه فيصل الى الأرض دون معيقات ،ولا أدري ما الحل بهذه الحالة وهل المطلوب هو إجراء تعديلات ووضع شوائك مرتفعة في جنبات الجسر لتمنع من يقفز منه أو يفكر ان يرمي بنفسه، أم وضع شباك أسفل الجسر لنضمن أن من يلقي بنفسه يصل سالما لطالما علق بشباك الأمان؟!
الدولة ليست مسؤولة بالتأكيد فهي لا تستطيع ان تمنع هذه الحالات والمسالة ليست مرتبطة بوجود هذا الجسر،أعني ان أماكن الانتحار كثيرة وطرقه كثيرة أيضا، لكن نحاول أن نعلق الجرس لهذه الظاهرة التي أظنها باتت مقلقة في مجتمعنا لتكرارها بصورة شبه دائمة، فهناك أرقام صادمة لهذه الحالات،صحيح أن الانتحار ظاهرة عالمية تسود مختلف انحاء العالم، إذ إن 78% من حالات الانتحار في العالم تحدث في الدول القليلة والمتوسطة الدخل،وهذا ما يفسر حوثها بالأردن الامر الذي يتطلب اجراء دراسات معمقة ليس فقط حصائية تحليلية وانما اجتماعية نفسية اقتصادية.
وحسب الدراسات والاحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية فثمة 80 ألف حالة انتحار سنوياً مسجلة في العالم، بمعدل إقدام شخص واحد على الانتحاركل 40 ثانية اضافة إلى ملايين الاشخاص الذين خاضوا تجربة محاولة الانتحار، وهذه الظاهرة تعد ثاني مسبب للوفيات في العالم للفئة العمرية بين 15-29 عاماً.
225
والمشكلة ان معظم سكان الاردن هم من الشباب لذلك يتزايد القلق بصورة دائمة ومستمرة من احتمال تنامي هذه الظاهرة وما ينشأ عنها من فوبيا للأهل والمجتمع ومؤسسات الدولة عموما.
الكل يعرف أن أكثر العوامل المؤدیة إلى الانتحار ھي العوامل الاجتماعیة، تلیھا العوامل النفسیة، ثم العوامل الاقتصادیة، ویعود ذلك إلى أنماط التنشئة الاجتماعیة والخلافات العائلیة.
لم يعد الانتحار في الاردن مجرد تهديد،بدليل تكرار الحالات بصورة شبه دائمة،وقد تجد الدولة الاعذار لمن يقوم بالتهديد بالانتحار من باب لفت النظر للبعض الذين عجزوا عن مجابهة بعض الصعوبات في الحياة. لكن من يعلق الجرس وهل ماتقوم به الهيئات المعنية في الأردن في هذا الموضوع كافيا خاصة في ظل تزايد اعداد حالات الانتحار ومحاولات المنتحرين الذين وجدوا على ما يبدو أن طريقة الإعلان عن نيتهم الانتحار تدخل في سياق الحلول السريعة للبحث في مطالبهم أو مساعدتهم في رأب تصدع حياتهم نتيجة طارئ أو ظلم دون ان يجدوا من يشتكون له ويشفي غليلهم.
بات الامر ملحا في الإسراع الى تعليق الجرس وتحمّل المسؤوليات من قبل الدولة ومؤسساتها، وبالاخص النظام التعليمي والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والدينية في تعميق الرؤية وبث ثقافة التفاؤل وإشاعة روح الطمأنينة لدى الناس،وربما يكون تراجع القيم الاجتماعية من تكافل وتعاضد سبب مهم في التفكير بالقرارات الفردية غير المسؤولة أحيانا،وهنا مهم أن يتم تكثيف برامج التوعية وإعادة النظر بما ألت اليه المنظومة القيمية للمجتمع الذي بات يعيش حالة من التخبط في هذا المجال لدرجة أن هناك مستويات من القيم متباينة داخل المجتمع الواحد بحيث انك تشعر للحظة انك تعيش في عشرين مجتمعا ،وهذا لاينطبق فقط على الحالة الأردنية بل وعلى الحالة في البلاد العربية عموما.
اما جسر عبدون فبات جسرا مضمونا لمن يريدون لفت الانظار للإنتحار، أو أولئك الباحثين عن طريقة مضمونة للإنتحار…!
rhyasen@hotmail.com

