
وماذا بعد؟
في كل استحقاق من استحقاقات الوفاء للوطن يهب الاردنيون لتأدية ما عليهم من دين تجاه بلدهم، لا يتخلف منهم متخلف، ولا يتوانى منهم متوان. وما تلك الدماء الزكية التي سالت في ساحات كرك الشموخ الا امتدادا لتلك الدماء الطاهرة التي بذلت في كرامة العز. نور التضحية والفداء هو ما ينير درب الشعوب، فخطوط الدم القاني ترسم طريق المستقبل، وتلك الابتسامات المرتسمة على محيا الشهداء تبعث فينا الأمل، وتعدنا بغد افضل.
وفي غفلة من اولئك المفعمة أرواحهم بمشاعر البذل والعطاء، وحالة التوحد التي أظلت الجميع، يأبى تجار الدم، وسماسرة الأوطان إلا ان تمتد أياديهم السوداء لتأخذ بدل أن تعطي، ولتفرق بدل أن توحد. فالتفرقة هدفهم الاستراتيجي، كيف لا وهم يستلهمون سيرة زعيمهم -لعنه الله- حينما اشار بضرب محمد عليه الصلاة والسلام ضربة رجل واحد ليتفرق دمه بين القبائل. محمد في نظرهم حينها لم يكن رجلا، وانا فكرة تمثل الحق في مقابل باطلهم. أما اليوم، فهو الوطن في مقابل مصالحهم. هؤلاء، ليس لهم أسماء في جداول التضحيات ، وانما القاب وكنى منمقة في جداول الامتيازات.
في ظل هذه الأجواء المتلبدة التي يفرضها اولئك الخارجون عن القانون، المارقون على الأوطان، تلوح في الأفق حالة من الجهل يراد لها ان تسيطر على هذا الشعب، والجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس افكارا، وانما ينصب اصناما -كما يقول ابن نبي-، ثم هو يجعل لهذه الاصنام حمى يراد لنا ان ندور حوله ولا نقع فيه. فتجدنا نتلمس باب طبيب لئيم عله يجود علينا بالعلاج، دون ان ندرك اننا نحمل دوائنا على اكتافنا!! فلا هو يريد لنا علاجا، ولا هو معني بان ندرك حقيقة حالنا..فلو ادركنا لكسدت بضاعته. ليس أسوأ من الجهل سوى الانكار كما يقال.
وهنا، وفي ظل هذه الظروف التي تدعو الى اللبس والارتباك، يبرز سؤال ملح: ماذا بعد؟!! وما هو الحل؟!!
يقول تعالى:”ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. صدق الله العظيم. تلك شرعة السماء:غير نفسك تغير التاريخ!
فمن سنن الله في كونه انه عندما تغيب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح احيانا!
الادراك أول الحل. الا ان الادراك الفردي الذي لا يتحول الى حالة وعي جمعية ليس ذي فائدة. ثم وبعد حالة الادراك الجمعي هذه لا بد ان تكون هناك حركة، او لنقل ثورة راشدة تحطم الاصنام المستقرة في نفوس واذهان الناس سواء كانت عادات او افكار او حتى رموز، وتعلي مكانها المبادئ والقيم لتؤسس بها اركان دولة القانون القائمة على الحرية والعدالة وتكافئ الفرص. فلا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى. ومن التقوى التورع عن الولوغ في المال العام، وان يحب المسؤول لوطنه ما يحب لنفسه وخاصة اهله.
هم يريدون ان تبقى عيون الشعب مشحونة بالنوم فلا يستيقظ، وبالتالي لا يترك المجال للمناجاة التي يمارسها الافراد ان تتحول الى حديث شعب.
هذا ما يريدونه، فماذا يريد الشعب؟!!!
