قرش «شدمي» وعشرون عاما / د . ديمة طهبوب

قرش «شدمي» وعشرون عاما

والشمس تلوح مفرقه والعرق يتفصد من جبينه كان يمني نفسه بغروب الشمس الذي سيحمله الى زوجته وأولاده في قرية كفر قاسم ليتقاسم معهم خبز طابون حار معجون بحب زوجة هنية رضية وأطايب ممن جادت به أرضهم الغنية.
ولكن قطع عليه حلمه في الطريق الى البيت رصاص استقر في صدره وصدر 49 فلسطينيًا من أبناء المدينة بينهم نساء و23 طفلاً يتراوح عمرهم بين 8- 17 عاما.
يومها لم يكن هناك إعلام مؤثر يخلد الدماء ويحفظ القصص والأسماء ويركز على المآسي والأشلاء! يومها في عام ١٩٥٦ كان البطش الإسرائيلي يمر من تحت سمع وبصر العالم دون استنكار، فيحاكم المسؤول عن المجزرة العقيد يسخار شدمي الذي فضل القتل على الاعتقالات كما هو مأثور عنه وقال إن الجيش لا يعتمد على العواطف، بدفع قرش إسرائيلي واحد استهانة بالمجزرة وضحاياها وإطلاقا غير مباشر ليد الجيش في أعمال مماثلة تمر بلا عقاب ولا حتى بقرش واحد في حالة اليئور أزاريا الذي أجهز مؤخرا على الجريح الفلسطيني عبد الفتاح الشريف برصاصة في رأسه هذا العام ولا بمحاكمة من أصله في حالة الشهيد القاضي رائد زعيتر!
مثل هذه الجرائم والمجازر وعقوباتها وردود الفعل عليها وعلى غيرها تظهر المنظومة الفكرية والقيمية والعسكرية للعدو التي لا يُرد عليها بأقل من المعاملة بالمثل في العرف السياسي، ففي الوقت الذي أخرجت محاكم الاحتلال مجرميها كالشعرة من العجين ونجتهم من حبال المشانق وأصبحوا أبطالا ورموزا لشعوبهم، أصابنا الشطط في التعامل مع أبطالنا الذين لم يبدأوا العدوان وإنما اكتفوا بالرد على تاريخ ممتد من الإجرام، فاسترضينا المجتمع الدولي والعدو على حساب كرامتنا وتضحياتنا وأوقعنا بأبطالنا عقوبات غير مقبولة ولا مبررة ولم نتماهَ مع القضاة على الطرف المقابل الذين آمنوا أن العدالة الوحيدة هو نصرة «بلدك وشعبك» فقط مهما كانت الظروف، وبذلنا ما ارتأينا انه عدالة لمن لا يستحقها من عدو ما زالت عقيدته قائمة على استئصالنا بالكلية مهما ادعى من سفسطاطات السلام فظهرت العدالة تفريطا وخذلانا واستكانة ليس أكثر! فالعدالة مع الظالم المعتدي ليست إلا القصاص الذي يشفي الصدور.
عشرين عاما دفعها بطل أردني من عمره ليثبت أن شعب الكرامة حي يرزق وأن الكرامة فينا فطرة وطبع وأن فلسطين فينا عقيدة وان بغض اليهود عندنا دين.
عشرين عاما لتبقى الحالة الدقامسية ناقوسا يدق في عالم النسيان والتطبيع فيتربى عليها أجيال تنادي باسمه وتفخر بفعله وتؤمن بعقيدته في ذات الوقت الذي أُريد لها بكل الوسائل أن تصافح الأيادي التي أثكلتها وقتلتها وشردتها!
عشرين عاما لتصنع الخلود لصاحبها وترسخ ضخامة التضحية لكل من أراد سلوك درب المعالي
عشرين عاما بكل دعوة أم ودمعة زوجة وشوق أطفال تذكر كم هو قاسٍ ظلم ذوي القربى
في إبدر تجدد التاريخ فقد كانت تسمى في عهد العثمانيين بإبدر المنارة وذلك لأن قوة عثمانية من الدرك كانت إذا أرادت دعوة عناصر من الدرك من قرى مجاورة للاجتماع، يشعلون نارا على سطح مخفرهم ليلا دعوة للجنود الآخرين، من إبدر المنارة خرج الدقامسة بنور سيسطع في التاريخ بطولة وبذلا وكرامة ونصرة ورؤية واضحة ومبادئ لا تتزعزع في عصر أصبح العدو صديقا والرحمة به إنسانية والتحرير واسترداد الأوطان حلما مستحيلا.
رحم الله شهداءنا وتقبل الله كل من ثأر لهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى