
بين #الزعامة_السياسية و #القيادة_العسكرية . . !
#موسى_العدوان
في مذكراته يقول المارشال البريطاني مونتغمري، صانع النصر للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، في تفريقه بين الزعامة السياسية والقيادة العسكرية، ما يلي وأقتبس:
” لقد ارتبكْتُ عندما دُعيت في آذار1947 إلى إلقاء حديث عن القيادة، في مأدبة الغداء السنوية التي تقيمها جمعية مهندسي لندن. وكان الناس في إنجلترا قد انتهوا من قضاء شتاء مزعج أشد الإزعاج، صاحبته قيود من كل نوع، حتى أننا اضطررنا إلى العمل في المكاتب على ضوء الشموع، بسبب انقطاع التيار الكهربائي باستمرار، والناس جميعا قد ضجروا من الحكومة.
فعالجت في حديثي المشكلة التي كانت تجابهنا في إنجلترا في ذلك الحين، وأعلنت أن الحل يتوقف على الزعامة، وعلى ضرورة العمل الشاق بروح الفريق، وهذا ما قلته:
كيف نحدد الزعامة ؟ إنها في رأيي، المقدرة على جمع شمل الرجال والنساء، من أجل تحقيق غرض معين، وامتلاك صفات توحي بالثقة. والغرض المطلوب يجب أن يكون غرضا شريفا، والإرادة يجب أن تكون ميزة الخُلق البارزة. إن من المهم أن يكون لنا اليوم زعماء على جميع المستويات وفي كل مهنة، زعماء قادرون على السيطرة على الأحداث، فلا يجعلوا لها علينا ولا على الدولة حجة أبدا.
والزعيم الذي لا يستطيع أن يفعل ذلك، ويسمح للأحداث أن تسيطر عليه، لا حاجة له. إن الزعيم الحقّ، يدرس المشكلة أولا . . ثم يمسك بها من قلبها . . . ولقد دعيت غير مرة إلى الاشتراك في الصراع السياسي، ولكنني رفضت الدعوة دائما. فأنا لا أعتقد أنني أستطيع أن أكون سياسيا جيدا. إن الحرب لعبة شاقّة قذرة، أما السياسة فهي غير ذلك . . !
إن هذا الموضوع ليس من اختصاصي، وإذا أنا عالجته في مقالات منشورة، فهذا سينشئ انطباعا بأنني أنوي السعي وراء حياة سياسية، وأنا ليست لدي أية نية لأن أفعل أي شيء مهما كان من هذا القبيل. وسيكون جنونا من جانبي أن أتدخل في أمور أجهل عنها كل شيء.
وباستطاعة القارئ أن يرى أنني قاومت واحتفظت ببرودة دمي، بينما كانت تيارات قوية في الرأي العام، تحاول أن تجرني إلى السياسة. وكان موقفي هذا ضروريا في رأيي إذ كنت أخدم الحكومة، والجندي مدين بالإخلاص للدولة، وليس حرا في تبديل ولائه بسبب آرائه السياسية. أما عندما يتقاعد الجندي فالمسألة تختلف ويستطيع عندئذ أن يتصرف كما يشاء “.
ويفرّق مونتغمري بين الزعيم السياسي والقائد العسكري بما يلي : ” يمتاز الزعيم السياسي على العسكري، بأنه يستطيع أن يعبّر عن رأيه في كل وقت. في حين أن القائد العسكري لا يجد الفرصة للتعبير عن رأيه.
كما أن الزعيم السياسي يخاطب شعبه لكي يحصل على تأييده بعكس القائد العسكري، الذي لا يحتاج إلى أصوات تؤيده، لأنه يعلم أن القوة الكامنة في رجاله هي بغيته، إذا ما عرف كيف يستغلها استغلالا إيجابيا صحيحا “. انتهى الاقتباس.
* * *
التعليق :
• لا شك بأن المارشال مونتغمري قائد عظيم حقق النصر العسكري لبريطانيا، ابتداء من معركة العلمين التي جرت في شمال إفريقيا عام 1942 في الحرب العالمية الثانية، وفي أوروبا خلال السنوات اللاحقة حتى نهاية الحرب. فقد قال رئيس وزراء بريطانيا آنذاك عن تلك المعركة التي قادها مونتغمري بالجيش الثامن : ” قبل العلمين لم نربح أية معركة، وبعد العلمين لم نخسر أية معركة “.
• لقد كرّس مونتغمري حياته للجندية ورفض العمل في مجال السياسة، إذ قال في مذكراته: ” لو أتيح لي أن أحيا حياتي مرة أخرى لما تصرفت على غير هذا النحو، ولاخترت أن أكون جنديا من جديد “.
• ومع هذا فقد كان له رأيا حصيفا في كيفية اختيار رجال السياسة قائلا : ” لقد كنت أعتقد دائما أن على الزعيم السياسي أن يكون خبيرا بالرجال، وأن عليه أن يختار للمناصب الهامة أقدر الرجال على الاضطلاع بالمهمات الموكولة إليه “.
والسؤال الذي يطرح نفسه بناء على ما تقدم هو : هل نحن في دولنا العربية فاعلون ذلك، في اختيار الرجال والنساء المناسبين للمناصب السياسية والإدارية ؟ أم أننا نعتمد على التوريث وصلات القربى، أو صداقات الشِلل والعلاقات الاجتماعية لإشغال تلك الوظائف، متجاوزين الكفاءة والنزاهة في العمل، متحدين مشاعر الشعب أيضا ؟
التاريخ : 13 / 1 / 2026

