هل الزهد مناط الدين؟

هل الزهد مناط الدين؟
د. هاشم غرايبه

يسرف الدعاة والوعاظ في الحث على الزهد في متاع الدنيا، ويدعون الى الصبر على القليل، وأن ذلك مناط التدين ومبتغى الإيمان، واعدين المستجيبين لدعوتهم هذه بأن لهم جنة في الآخرة تعوضهم عما فاتهم في الدنيا.
الدين لم ينزله الله للناس لهذا الغرض، ولم يجعل جزاء الجنة لإغراء المؤمن بالإعراض عن نعيم الدنيا، بل أنزله لتنظيم حياتهم في الدنيا وضبط علاقاتهم وفق تشريعات واضحة بيّنة، هي مرجعيات ثابتة مدونة في كتاب الله وموضحة ومفصلة في سنة نبيه، لكن الله تعالى لم يخلق مباهج الدنيا وملذاتها، ولم يودع في النفس البشرية الإغراء باتباع الرغبات والشهوات، لكي يقول للناس: من يزهد فيها ويعرض عنها فسأكافئه بالجنة، ومن لم يقو على مغالبتها وقهرها فسأعذبه في النار.
بل جعل نعيم الدنيا وخيراتها متاحة للجميع، لكن وفق ضوابط النفع والضرر التي سماها الحلال والحرام، وأتاح إشباع الرغبات والشهوات ضمن قنواتها الطبيعية ومساراتها المشروعة التي تمنع الإنحراف عن تحقيق المرامي الحقيقية التي وجدت من أجلها.
إذاً فالدين مهمته حياتيه، وليس لإعداد الإنسان للموت، وهي ترتكز على إرشاد البشر الى السبيل الأقوم، والذي إن اتبعوه تتحقق لهم السعادة في الدنيا، لكن زيادة في إكرام من اتبع منهج الله، فقد جعل له مكافأتين عظيمتين: الأولى حياة طيبة يحياها في الدنيا، والثانية وهي أعظم قدرا وأدوم نفعا، وهي الحياة الأخروية في نعيم مقيم.
الأولى وهي الحياة الدنيوية الطيبة، هي معيشة المؤمن العابد لله، مطمئنا الى أنه محفوظ في كنفه وعنايته، فلا يخشى عنتا ولا نكدا، ومكفول رزقه ومأمول استجابة دعائه.
وأما المكافأة الثانية فهي أنه ولكونه ملتزما بشرعه متبعا لما جاء في كتابه، فهو يرجو من الله في الحياة الأخرى ما لا يرجوه الكافر، من نوال رضاه والجنة.
هكذا هو الدين، أخذ من كل أنعم الله بلا إفراط، ومراعاة لضوابطه بلا تفريط، وليس كما يصوره المتشددون معاناة وحرمانا، وتحريما لزينة الله التي أحلها لعباده..ولهذا الفهم الصحيح دعى رسوله الكريم، ومارس هذا الفهم في حياته، ومن ذلك التنطع حذّر، وعنه نهى.
لذا فليس صحيحا ما ينسب إليه صلى الله عليه وسلم من أنه كان يعاني من الفقر والجوع أو من شظف العيش وقلة ذات اليد، بل كان غنيا يملك المال، إذ أغناه الله تعالى عندما قيض الله زواجه خديجة رضي الله عنها ذات مال وتجارة “أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى . وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى” [الضحى:6-8]، لكنه كان معطاء لا يكنز المال، وكان معتادا على إطعام الناس بدليل قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا” [الأحزاب:53].
كما أنه يكن زاهداً متنسكا، بل كان معتدلا يأخذ من كل شيء بنصيب، وكان يحب أطايب الحياة، فكان ينتقي من اللحم الكتف وهو أطيب الذبيحة، وكان يتطيب بأطيب العطور حتى ليعرف المكان الذي مر فيه مما علق فيه من طيبه.
صحيح أنه كان صلى الله عليه وسلم متواضعا، لا يتميز عن أصحابه في الملبس والمقعد كالأمراء والملوك، فكان الداخل الى مجلسه بينهم يسألهم: أيكم محمد؟، لكنه لا يلبس إلا النظيف والأنيق، وإن تحدث فهو مقل بكلامه، لا يقول إلا مفيدا نافعا، ولا يتفاخر بما حباه الله من منزلة رفيعة، ولا يتصنع التعفف والتواضع، بل كان ذلك طبعه، فينصت لكل متكلم، ويسمع لكل ذي حاجة أو متظلم.
باختصار فقد كانت معيشته صلى الله عليه وسلم من فهم قوله تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا” [القصص:77].
لقد كان يدرك أن الله جعل الدنيا دار ابتلاء، وأرادها ممراً الى الاخرة وليست مقراً، لكنه بما أعطاه الله من حكمة فهم أيضا أن الدين جاء لجعل حياة الناس طيبة، يعيشون بسعادة وهناء.
وبذلك تكون المعادلة صحيحة إن أخذ المرء من كل ما أحل الله باعتدال، وامتنع عن كل ما حرمه بانضباط، فينال بذلك خير الدنيا من غير حرمان، وخير الآخرة من غير نقصان…وهذا هو مناط الدين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى