جنود الخفاء / وليد عبد الحي

جنود الخفاء

ثمة تكتيك تنتهجه أغلب النظم السياسية العربية في توظيفها للنخب السياسية والثقافية، حيث تختار عددا من الطامحين منهم للمجد، وتعقد معهم نوعا من ” اتفاق الجنتلمان”، ثم ترخي لهم حبل النقد في القضايا غير الهامة او المتوسطة الأهمية( فتح طريق ، سلوك ما لوزير، اتهام مسؤول بالتقصير، شؤون بلدية، مدرب رياضي، شغب محدود هنا او هناك، ارتفاع اسعار، جريمة مدنية…الخ)، ويؤدي تكريس هذا التوجه إلى ان يستقر في وعي المجتمع تدريجيا صورة المعارض الذي يبدو كأنه يقف للسلطة بالمرصاد ، بينما الكثير منهم تلقى دورات مدفوعة الاجر من الخارج والداخل حول كيفية توظيف وسائل الاعلام وطرق الحوار وأساليب الاقناع ، وهو ما يذكرني بما روي عن بيسمارك عندما كان يتفق” ليلا “مع بعض المعارضة على ما ستقوله ضده ” نهارا”.
فإذا واجه النظام السياسي مأزقا استراتيجيا او اتخذ موقفا في قضية استراتيجية، يقفز هؤلاء على خشبة المسرح من جديد للقيام بدورهم في الفصل الثاني من المسرحية وهو محاولة تقديم السلوك الرسمي وكأنه الخيار العقلاني ، او يقومون بممارسة التعبئة الهادئة للجمهور باتجاه مساندة سياسات النظام السياسي مستفيدين من ” صورة المعارض” التي زرعوها في الاذهان ، وهو ما يوفر للدولة قطاعا من الانصار او على الاقل نصف الانصار.
هذا التكتيك – إلى جانب غيره من التكتيكات- يندرج في اطار ما أسميته في كتاب لي ” هندسة الاستبداد”، تتم ممارسته في دول عربية عديدة، ويبدو ان هذا التكتيك ناجح بقدر كاف، مما جعل انتشاره بين ” جنود الخفاء ” من المثقفين اوسع مما يبدو من النظرة المتسرعة….ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى