
أمريكا: بين القوة والغطرسة
د. أيوب أبودية
في تاريخ العلاقات الدولية كثيراً ما يختلط مفهومان متقاربان ظاهرياً ولكنهما مختلفان جوهرياً: القوة والغطرسة. فالقوة، في معناها السياسي، هي قدرة الدولة على حماية مصالحها وتأمين حدودها والتأثير في محيطها عبر الاقتصاد أو التكنولوجيا أو الجيش أو الثقافة. أما الغطرسة فهي شعور بالتفوق يدفع الدولة إلى فرض إرادتها على الآخرين، وتجاهل القانون الدولي، والتصرف باعتبارها وصية على العالم. ومن هنا يبرز السؤال: هل كل دولة قوية تصبح بالضرورة متغطرسة؟ أم أن الغطرسة خيار سياسي وأخلاقي، لا نتيجة حتمية للقوة؟
تمثل الولايات المتحدة المثال الأكثر إثارة لهذا السؤال في العصر الحديث. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحولت لتصبح القوة الأعظم في العالم، اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً. لكن هذا التفوق لم يبقَ مجرد قوة دفاعية أو قدرة على حماية المصالح، بل تحول في كثير من الأحيان إلى سياسة تدخلية توسعية. فمن الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، إلى حرب فيتنام التي استمرت سنوات طويلة وخلفت ملايين الضحايا، مروراً بسلسلة من التدخلات في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وشرق أسيا، فبدا أن القوة الأمريكية كثيراً ما تجاوزت حدودها لتصبح غطرسة سياسية وعسكرية.
برز هذا الميل للغطرسة بشكل أوضح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ففردت عضلاتها على العراق واستفردت بها في حرب الخليج الاولى، حين وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة الوحيدة المهيمنة في النظام الدولي. في تلك المرحلة ظهر خطاب “القطب الواحد”، واعتبرت واشنطن نفسها صاحبة الحق في إعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها. فجاءت الحروب بعد ١١ سبتمبر في أفغانستان والعراق، والتدخلات المتكررة في الشرق الأوسط، إضافة إلى دعم غير محدود لإسرائيل في الصراع مع الفلسطينيين. وفي السنوات الأخيرة تتصاعد التوترات مع إيران، في سياق يعكس استمرار العقلية ذاتها: استخدام القوة ليس فقط لحماية المصالح، بل لفرض نظام سياسي أو استراتيجي معين على الآخرين.
هنا يصبح الفرق بين القوة والغطرسة واضحاً. فالقوة يمكن أن تكون أداة استقرار إذا اقترنت بالمسؤولية واحترام السيادة الدولية، أما الغطرسة فتظهر عندما تتحول القوة إلى شعور بالتفوق الأخلاقي والسياسي، يجعل الدولة ترى نفسها فوق القانون الدولي أو فوق إرادة الشعوب الأخرى.
لكن إذا كانت الولايات المتحدة مثالاً على تداخل القوة مع الغطرسة، فإن صعود قوى أخرى يطرح سؤالاً جديداً: هل يمكن لدولة قوية أن تتجنب هذا المصير؟ هنا يبرز نموذج الصين. فقد تحولت الصين خلال العقود الأربعة الماضية إلى قوة اقتصادية هائلة، وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما طورت قدرات تكنولوجية وعسكرية متقدمة. ومع ذلك، فإن سياستها الخارجية ظلت في معظمها قائمة على مبدأ “الصعود السلمي”، والتركيز على التجارة والاستثمار والبنية التحتية، كما يظهر في مبادرة الحزام والطريق.
هذا لا يعني أن الصين دولة خالية من المصالح أو الطموحات الاستراتيجية، لكنها حتى الآن لم تبنِ قوتها عبر حروب خارجية واسعة النطاق كما فعلت القوى الغربية في القرنين الماضيين. بل اعتمدت بدرجة كبيرة على الاقتصاد والتجارة والنفوذ الناعم. لذلك ينظر كثيرون إلى الصين كقوة صاعدة لكنها أقل ميلاً إلى الغطرسة العسكرية.
أما روسيا، فهي حالة مختلفة. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي مرت بفترة ضعف طويلة، لكنها استعادت جزءاً من قوتها خلال العقدين الأخيرين. وقد أظهرت تدخلات عسكرية في محيطها القريب، كما في جورجيا وأوكرانيا، إضافة إلى حضورها العسكري في سوريا، وربما في حرب ايران المحتدمة. ومع ذلك، فإن تحركاتها غالباً ما تُفسَّر في إطار استعادة نفوذ إقليمي أكثر من كونها مشروع هيمنة عالمية شاملة كالذي مارسته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة.
كل ذلك يعيدنا إلى السؤال الأساسي: هل الغطرسة نتيجة طبيعية للقوة؟
التاريخ يقدم إجابة مركبة. فالقوة في حد ذاتها ليست المشكلة؛ فالمشكلة تبدأ عندما تتحول القوة إلى اعتقاد بأن الدولة تملك حقاً استثنائياً في تقرير مصير الآخرين. عندها تصبح الغطرسة جزءاً من الثقافة السياسية للدولة القوية.
لكن السؤال الأكثر إثارة يتعلق بالمستقبل: فإذا أصبحت الصين القوة الأولى في العالم، هل ستبقى على نهجها الحالي، أم أن منطق القوة سيقودها أيضاً إلى الغطرسة؟
لا توجد إجابة حاسمة. فالتاريخ يبين أن كثيراً من الإمبراطوريات بدأت بقوة دفاعية أو اقتصادية ثم تحولت تدريجياً إلى قوى توسعية. ومع ذلك، فإن طبيعة النظام الدولي اليوم، ووجود توازنات نووية واقتصادية معقدة، قد يحدّ من هذا المسار.
ربما يكون الدرس الأهم هو أن القوة تصبح خطراً عندما تنفصل عن الضوابط الأخلاقية والقانونية. فالدولة القوية تستطيع أن تختار بين طريقين: طريق المسؤولية الذي يجعلها قوة استقرار وتوازن، وطريق الغطرسة الذي يقود إلى الحروب والفوضى، وفقا لثقافة الدولة وتاريخها وايديولوجيتها.
من هنا فإن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بميزان القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، بل أيضاً بالكيفية التي تستخدم بها هذه القوى قوتها. فإذا استمرت القوة في الارتباط بالغطرسة، فإن العالم سيبقى ساحة صراعات بين القوى الكبرى. أما إذا ارتبطت القوة بالحكمة والمسؤولية، فقد يصبح التوازن الدولي أكثر استقراراً وعدلاً.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الحقيقي يصبح ليس من هو الأقوى؟ بل: كيف يستخدم الأقوياء قوتهم؟

