
الأردنيون بعد الإضراب ليسوا ذات الأردنيون قبل الإضراب
البروفيسور أنيس الخصاونة
مرت جهود الإصلاح السياسي في الأردن على مدار السنوات العشرة الماضية في مخاضات كثيرة ،وواجهت تحديات صعبة من قبل قوى متعددة ،وقد كانت هذه الجهود تتكسر على صخور مقاومة التغيير والتطوير .ولعله من قبيل المفارقات أن تكون المؤسستين التشريعية والتنفيذية في مقدمة القوى المحافظة والتي ارتأت أن التغيير والإصلاح السياسي الشامل يهدد النسيج الوطني أو ما اعتادت هذه المؤسسات التعبير عنه “قفزات في الهواء” ،و “قفزات في المجهول” ، و “نحن بحاجة للإصلاح التدريجي” وكأننا نخاف على المريض أن يقتله العلاج.
معظم جهود الإصلاح السياسي ،وتعديل أكثر من أربعون مادة في الدستور، لم تترك أثرا ملموسا على واقع الحياة السياسية وعلى المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار. بقي الأردنيون ،رغم ادعاء المؤسسة الرسمية والجهات الموالية لها بحجم الإصلاح المنجز،لديهم شعور بأنهم غير مؤثرون في قراراتهم الوطنية ،وأن هذه القرارات تفرض عليهم خصوصا وأن المواطنين انتابهم احباط شديد ما لبث أن تحول إلى سخط على ممثليهم في السلطة التشريعية نتيجة لعدم الإستجابة للتغيير. فقد أصبح نوابهم المنتخبين مطواعين بيد السلطة التنفيذية ينفذون رغباتها ويتم تبني القوانين والسياسات الإقتصادية والضريبية وإقرارها حسب ما ترى الحكومة مناسبا ،وتستخدم الحكومة في سبيل تمرير القوانين وسائل كثيرة منها الإستمالة الشخصية، أو تحقيق مطالب ومصالح جهوية للنائب ،أو توظيف أبناءه وذويه في مواقع حساسة.
إن موجة الإحتجاجات التي شهدتها المملكة حول مشروع قانون ضريبة الدخل سيئ الذكر على مدار الأيام الأولى من شهر حزيران ،والتي تم تتويجها بإضراب منظم وفعال دعت له النقابات المهنية أثر بشكل واضح على سير الحياة اليومية للمواطنين ،والأهم من ذلك أنه أطاح بالحكومة وأجبر الرئيس المكلف على أن يعد بسحب المشروع من مجلس النواب.نعم ترنحت حكومة الملقي وسقطت وها هو الرئيس الرزاز يتلمس طريقه للخروج من هذه الأزمة عبر سحب المشروع ووعوده بحوار ونقاش لمنظومة الضرائب والعبئ الضريبي الإجمالي الذي يتحمله المواطن الأردني.
لم يمرعلى الأردنيين وتحديدا على أجيال الثمانينات والتسعينات وما بعدها تجربة تشعرهم بقيمة أصواتهم وتأثيرها في الحياة السياسية أو ما اصطلح على تسميته(Political efficacy and political worth) .إحتجاجات الأردنيين نقابيين أو غير نقابيين ،وبالشكل السلمي والحضاري الذي ظهرت به، غير مسبوقة على الإطلاق حتى في عام 1989 حيث غلب على تلك الأحداث جوانب الشغب والعنف والإعتداء على المؤسسات والمرافق العامة. معظم شعوب وقادة بلدان العالم العربي والغربي كانت أعينهم ترنوا إلى الأردن وإلى أين ستنتهي به الأحداث ،وقد تنبأ البعض بأن هذه الأحداث ستعصف باستقراره ونظامه .الحقيقة أن قلة هم ممن تنبؤا بقدرة الأردن على استيعاب الإحتجاجات وتلبية مطالب مئات الألاف من المواطنين بسحب مشروع قانون الضريبة ، وتعديل بعض القوانين الأخرى.احتجاجات وإضرابات بدون قتلى ولا جرحى ، وبدون جمال وخيل تدوس المحتجين كما شاهدنا في مصر في مرحلة سابقة، وبدون سفك دماء ،احتجاجات لم يشجبها الملك ولا الحكومة ،وقد وجهت الأجهزة الأمنية للمحافظة على حياة المحتجين.
نقول هنا أن الأردنيين بعد الإحتجاج ليسوا هم ذات الأردنيين قبل الإحتجاج.الأردنيون اكتسبوا شعورا بأن لهم قيمة سياسية ولهم تأثير في القرار الحكومي ، ويمكنهم أن يطيحوا بالحكومات وربما لاحقا بالنواب .بمعنى آخر أصبح المواطنون يشعرون أن الحكومة وقراراتها ليست قدرا مقدورا وأنه لا يمكن الإعتراض عليها.يدرس طلبة الدراسات العليا في موضوع تحليل السياسات العامة بأنه حتى تكون القوانين والسياسات الحكومية فعاله فإنها لا بد وأن تحظى بالقبول الجماهيري والشرعية الشعبية وأن الشرعية القانونية والدستورية ربما لا تكون كافية ولا تضمن تنفيذ السياسات الحكومية إذا ما اعتقد أن هذه القوانين والسياسات تتعارض مع الشرعية الشعبية والجماهيرية.
ما حصل في الأردن في الاحتجاجات العارمة في حزيران 2018 جعل الأردنيون يشعرون بقيمتهم السياسية وقدرتهم على التأثير في مجريات القوانين والقرارات الحكومية .لقد قفز المواطنون على مؤسسات التشريعية والتنفيذية ،لا بل وتجاوزوها بإسلوب وإخراج حضاري سيشكل خبرة مرجعية لهم في المقبل من الأيام وفي حالات تتعلق بإقرار سياسات وقرارات جائرة على الناس.
من جانب آخر ستصبح مهمة حكومة عمر الرزاز وغيرها من الحكومات أكثر صعوبة في ممارسة فرض قوانين وقرات غير شعبية ،واستمالة النواب وشراء ذممهم عبر وعود ومكتسبات شخصية وجهوية لهم ولذويهم. نعم نعتقد أن أحداث حزيران سيكون لها تأثيرات إيجابية متوسطة وبعيدة الأمد على تطور الحياة السياسية الأردنية وعلى زيادة شعور وثقة الأردنيين بقدرتهم على التأثير في مؤسساتهم وقرارات حكوماتهم .نعتقد أن هذه الاحتجاجات ستشكل تجربة ونقطة تحول في مجريات الإصلاح والتطور السياسي في المملكة وأن هذه التجرية ستكون محط دراسة وبحث من قبل الأكاديميين والدارسين في التطور السياسي في الدول العربية..
