
دعدرجي ..
وليد معابرة
ذلك المصطلح الهجين أو كما يقولون: “الهايبرد” وِلِدَ في زمن اختلاط اللغة العربية باللغة التركية، فقد كانت المصطلحات في العربية تخلو من أيّة إضافة، بل لا تقبلها بأيّ حالٍ من الأحوال؛ ولكن التزاوج الذي حصل بين اللغتين؛ أدى إلى إفراز مصطلحات دخيلة استخدمها العرب في إطلاق المسميات على أصحاب المِهن والوظائف في عالمنا الشعبي، فصار الفلاحون يطلقون على عامل البناء لقب “الطوبرجي”، وعلى أصحاب المحلات التجارية اسم “دكنجي”، وهكذا حتى باتَ الناس يتداولون تلك المصطلحات ويطلقونها على جلّ أصحاب المهن، بل تعدى الأمر أنهم أطلقوه على صفات الأشخاص المزعجين؛ كتسمية الشخص الذي يفتعل المشكلات بـ “المشكلجي”، والشخص الذي تزيد مشكلاته ويتعاظم اعتدائه على الآخرين بـ “البلطجي”، حتى انتهى الأمر أن بدأ الناس يصرفون مسمى “السوكرجي” على مدمن الخمر أو شاربه، وهذا من مبدأ صرف الألقاب التي تختصر واقع الشخص وتعكس هويته الاجتماعية السائدة، وما زالت تلك الألقاب تصرف إلى يومنا هذا؛ فتجد أن هناك مطاعم تبيع الشاورما قام صاحبها بإحياء ذلك التراث وإطلاق اسم “الشاورمجي” على مطعمه الجديد المؤلف من فروعٍ كثيرة.
إن الانصاف العلمي والثقافي يجبرني أن أبحث عن لقب جديد يصف الحكومات الأردنية التي تعاقبت على إرهاق المواطن المسكين، فلابدّ من تحرٍ دقيقٍ وجمعٍ للصفات المعاصرة التي اتخذتها تلك الحكومات في تنفيذ القرارات التعسفية الجائرة ضد مواطنيها وإلحاق الضرر الفسيولوجي من جهة والسيكولوجي من جهة أخرى، فالمتمعن للمضارع المعاصر سيلاحظ أن هناك مستوى أرقى ومراتب أعلى من التسميات التي تليق بالمنهج السياسي المتّبع في أردننا الحبيب، وإنه من باب أولى يجب أن يعطى كلَّ ذي حقٍ حقه، كما أنه يتحتم علينا أن نطلق المسميات الجديدة بما يتفق مع الأمانة العلمية في نقل الخبر وترجمته.
إنَّ الحكومات الأردنية عندما تقوم بإطلاق الوعود المتكررة والمتتالية بمكافحة الفساد وتأتي بعكس ما وعدت به؛ فإنها قد حققت لقب “السوالفجي” الذي كان يروي الأساطير والقصص الخرافية كما كان يفعل “النضر بن الحارث” في زمن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وغَدَرَ -بأساطيره الزائفة- الناس أجمعين…، وسأكون منصفاً لو أطلقت على معظم الحكومات المنصرمة لقب “الميصعجي” الذي يطلق الوعود في تحسين أوضاع الناس ويرجع ليضرب وعوده بعرض الحائظ متجاوزاً آراء الشعب بأكمله تاركاً وراءه تاريخاً يزخر بالأكاذيب المتتالية…، وسأظلُّ مبتئساً لو لم أطلق لقب “المكوجي” على حكومات كَوَتْ مواطنيها بالنار الحامية، ولقب “المثقفجي” عندما تستأجر الحكومات حفنة من مثقفيها في حوارات وطنية إعلامية هادمة تهدف إلى إخفاء الحقائق بأسلوب لا يحترم عقول البشر…، وسأفتأ حازماً عندما أطلق لقب “التمرجي” على حكومة تتغاضى عن طبيب يكتب وصفات مرضاه مستعيناً بشركة أدوية تبيع ذلك المنتوج مقابل مبلغ من المال يصرف للطبيب لقاء كتابته لتلك الوصفات…، وسأصبح عادلاً لو أنني وصفت الحكومة بلقب “القهوجي” الذي يتناسى جميع الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بالعرب والمسلمين ليقوم بإعداد وتقديم القهوة للذين يتقامرون في المقهى ضمن جوٍ تعتريه المهزلة وتعاطي الفيروزيات كما يفعل التلفزيون الأردني أثناء إلقاء القنابل على جملة كبيرة من العرب والمسلمين بغير وجه حق…، وأخيراً لن أتوارى أن أطلق لقب “الموسرجي” الذي يقوم بشبك المواسير بعضها ببعض بهدف تكوين منظومة تسهم في تحوير المياه الصافية إلى مواسير الصرف الصحي، كما تفعل الحكومات المتتالية عندما تستخدم دهاءها بإطلاق إشاعة سياسية تشغل الناس عن أمور هامة تخص حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وتشبك بعضهم ببعض ليتم -أثناء ذلك- إعداد طبخة جديدة مليئة بالحَسَك الذي يقف عائقاً في مريء المواطن، كحقول الألغام التي تضعها الدول بعد الانتهاء من الحروب العاتية…، فالحكومات تتعامل مع مواطنيها كما تتعامل الفتاة الجميلة مع محبوبها: (في البداية تضع العقبات أمامه، وبعدها تضع العقبات خلفه حتى لا يستطيع التراجع).
خلاصة القول: إنه ومن باب الأمانة الأدبية؛ يجب أن أنصف تلك الحكومات بإطلاق لقب “الدعدرجي”، وهو نوع من المخلوقات البشرية التي توجه لكماتها المتتالية على رؤوس خصومها لتحصل –في النهاية- على هضبة لحميّة عجز العلم القديم والحديث عن علاجها؛ ولكنه (فقط) أطلق عليها اسم “الدعدرة”.
