
هل الربيع يشتكي ؟
منذ أن بدأت الكتابة في سواليف ، لم أعتد أن يمضي أسبوعا دون أن أرسل شيئا للقراء !!
إلا أنني منذ أيام أخضع لحالة من الصمت ، هي حالة ترافقني منذ طفولتي قد تمتد أياما ، لموقف صادم ، أو خيبة ما ، أو حسابات خاطئة ، تخيم إثرها على روحي غيمة من حزن توشح كل شئ بالسواد ، وتدخل في التأمل والسكون ، إلى أن يحدث ما يخرج عن هذا الصمت ، فجأة ، يبدأ نزف البوح ، وتنبع الكلمات من جديد ……
بالأمس …وأنا في شرفتي ، سمعت جلبة ، ورأيت فوضى ، الأشجار هائجة مائجة ، والأزهار باكية ، وبساط الربيع المخملي ما عاد يلقى ، والطيور والفراشات غضبى ، في اجتماع بائس ، وشدو يائس ، يصرخون بلهفة : أمانا أيها الربيع لا ترتحل …..
ليس يسمع نوح الربيع في حينا سواي ، كل من حولي غائبون ،لاهون ،غير أني مأخوذة ؛ فالهمس في أذني صرخة ، والعجمة شرح مفصل ، ربما لأني نيسانية المولد ، زهرية الرؤى ، أرتشف رحيق الجمال كما تفعل النحلة ، وأكتوي بشمس الظهيرة كما تكتوي خدود الورد وأتعدى شكوى البشر ، إلى النسائم والزهر !!
قبل أيام ، اخضوضر اللوز وأزهر ، وأثقلت أغصانه وأثمر ، ثم بعد برهة ألقى كل ما لديه …لم يكترث قاطفوه بثمرة كبيرة أوصغيرة …ولا بورقة قديمة أو وريقة واعدة ؛ تمزقت أغصانه وتركت كسيرة ، خجلة من عريها ، لم تكد تفرح بكسائها ،وخصبها….
حتى الطيور في أوكارها ، لم تسلم من حجارتهم ، ولا من فضولية نظراتهم إلى بيضها ، وانتظار أفراخها ، كأن ليس من حقها أن تهنأ بدفئها ، وليس للعصفورة حق أن تعيش أمومتها ، بعيدا عن العبثية والمتطفلين !!
الزهر الملون ، المبعثر في أرجاء الحقل ، لم يسلم من الدوس ، كم من خدود وردية سحقت تحت نعالهم ، وكم من أكمام لم ينتظروا أن تطل الزهرة من جوفها ، هتكوا حجابها !! وأخرجوها عنوة ، ثم بكل تفاهة اعتصروها بين أصابعهم و ألقوا بها في الأرض بلا حياة ….
تشكو ورود الربيع إلى الإله …طمع البشر ، وظلم العاشقين العابثين …
الفراشات الساحرة ، لم يكفوا عن مطاردتها بدعوى عشق الجمال …
والنحلات الكادحة لم ينتهوا عن ملاحقتها ، وكشف مخابئ كنزها ، وقوتها كل ما لديها …
لو يدرون مقدار شقائها في جمعه لتركوه لها !!!
لو علموا أن لا ثمن يعادله من عرقها لتأكدوا بأنه يباع بأبخس الأثمان !!
الله ولي النعمة ، تشكو اليه النحل ما اقترفت يد الانسان …
حتى النسائم حائرة ، تبث الطيب حينا ، تنفث الحر أحيانا ، وما بين برد وحر ، قلوب تنكسر ، وبراعم تنتحر ، وغيمات هازئة تظهر ثم تستتر ..
في كل يوم يمضي ، تيبس آلاف الأعشاب ، والربيع يعد العدة للأرتحال !
ما أقصر عمر الربيع ! وما أطول فصل الشقاء !!
ولكن من المؤسي أن يرتحل على أمل اللقاء ، فليس بيده أن لا يعود ، الأمر موكول إلى رب السماء ….
أيها القارئ الكريم ، أن اشتكيت باسم الربيع فلا تلمني ، ولا تتهمني بالجنوح في الخيال ؛ فحياتنا لم تعد تحتمل ، وقلوبنا باتت خواء ، وما الربيع إلا نحن ولكن بأثواب أحلى.. وأوهام أقل …
متابعي الكرام ، أذا بحثتم عن مقالة لي في مقبل الأيام ، على صحيفتكم الغراء ، ولم تجدوها ، فاعلموا رعاكم الله ، أن كلماتي عادت لسباتها القديم ، وأن ثمة
صمت يغلف الروح ويلف المكان ..وفي الختام عليكم من الله السلام وإلى اللقاء .

