
ثقافة الهدايا وتحرير الجزائر
تصريح مسئول خليجي عن أن استقلال الجزائر وتحررها جاء نتيجة موقف من الرئيس الفرنسي شارل ديغول ” إكراما لجمال عبد الناصر” هو امتداد لثقافة عرفتها قصورنا التاريخية وعششت في منظومتنا المعرفية وخلاصتها ” بخٍ..بخٍ ..أعطه يا غلام “…
أي سقم وصل له التفكير السياسي العربي؟ ولن استند فيما اقول لأي مرجع جزائري لكي لا أبدو منحازا، ولكني سأتوقف عند بعض المؤشرات التي تفسر لماذا انتصرت الجزائر واتخذ ديغول قرارته :
أولا : المشهد الفرنسي الداخلي: ديغول شخصية سياسية لا تحتاج إلى تعريف ، وموقفه من الازمة الجزائرية في حينها كان ناتجا عن قراءة الرجل لموازين القوى الداخلية والدولية في تلك الفترة ، ويكفي عرض بعض المؤشرات:
أ- في السنة التي تولى فيها ديغول السلطة 1958 كان عجز الموازنة الفرنسية حوالي 910 مليار فرنك فرنسي ، وهو ما يساوي 62% من اجمالي الناتج المحلي الفرنسي، وكان جزءا هاما من هذا العجز ناتجا عن أعباء مواجهة الثورة الجزائرية التي شهدت أقسى لحظاتها في فترة ديغول، ونتج عن ذلك انخفاض كبير جدا في قيمة العملة الفرنك الفرنسي ،مما دفع ديغول لاصدار فرنك جديد بعادل 100 فرنك من القديم.
ب- طبقا للتقديرات الفرنسية فإن قرابة 26 ألف جندي فرنسي قتلوا في المعارك مع الثوار الجزائرين ، واصيب حوالي 65 ألف جندي آخر. ناهيك عن حوالي 6 ألف مستوطن فرنسي.
ت- الصراع الذي نشب بين السلطة الفرنسية(أو اجنحة منها) وبين المستوطنين الفرنسيين في الجزائر، وتزايد الاضطرابات التي لا تسيطر عليها السلطة الفرنسية ، ناهيك عن الصراع بين السياسيين والعسكريين ومحاولة الانقلاب على ديغول،وكل ذلك بفعل المشهد الداخلي والاحتقان الذي صنعته الثورة الجزائرية.
ثانيا: المشهد الخارجي: لقد اندلعت الثورة الجزائرية في لحظة كانت فرنسا فيها في أضعف لحظاتها(وهو ما يدل على ذكاء في قيادة الثورة الجزائرية لاستغلال ضعف العدو)، فلو ألقينا نظرة على وضع فرنسا خلال الفترة السابقة على اشتعال الثورة وخلالها، تظهر لنا الصورة التالية:
أ- في عام 1954 (عام اشتعال الثورة الجزائرية) تلقت فرنسا هزيمة كاسحة في فييتنام في معركة ديان بيان فو الشهيرة، والتي خسرت فيها فرنسا حوالي 18 الف بين قتيل وجريح وأسير.
ب- آثار الحرب العالمية الثانية كانت ما تزال أوجاعها قائمة، فقد خسرت فرنسا في هذه الحرب ما مجموعه 600 الف نسمة منهم ربع مليون جندي.
ت- فشل العدوان الثلاثي على مصر والذي شاركت فيه فرنسا زمن الاشتراكيين، شكل نكسة سياسية تضاف لسلسلة النكسات السابقة، بخاصة نتيجة الضغوط السوفييتية والأمريكية واحساس فرنسا بمحدودية قدراتها على المسرح الدولي، وقد كانت مشاركة فرنسا في العدوان الثلاث كرد على مساعدات عبد الناصر للثورة الجزائرية.
ان التعامل مع نضالات الشعوب وآلامها بطريقة ” أعطه يا غلام” هو دليل على سقم التفكير العربي بل وانحطاطه، فالجزائر استقلت بفعل ثورة استغلت ضعف عدوها، وضحت بمئات آلاف شبابها، واستقطبت تاييدا دوليا واسعا، وانهكت خصمها، فاستجاب ديغول لكل ذلك ولم يكن بحاجة ل” بخٍ…بخٍ..”.
