الديك الفصيح / محمد صالح محمود العمري

الديك الفصيح
يحكى أن ديكا شابا مغرورا كان يمارس سطوته على باقي الديكة في قاع الدار . يمشي مختالاً بين الدجاجات و بالكاد ينظر إليهن بطرف عينه و في مخيلته بأن تلك الدجاجات كانت تقضي اليوم في الحديث بينهن عن فتوته و جماله و أنهن لا ينمن ليلتهن في الخم إلا بصحبة أحلامهن به و بعنفوانه . و كان ديك آخر في مقتبل العمر يبدو هزيلا بلا حول و لا قوة لا تعيره الدجاجات أي إهتمام رغم ما كان يتمتع به من رومانسية عالية و حساسية مفرطة لدرجة بأن الكل كان يلاحظ دموعه عندما يأتي صاحب المنزل بأكياس الدجاج المذبوح .

جاء يوم الجمعة الذي لم يكن كما سبقه من جمعات فهذه جمعة فيها جمعة و سيأتي الأبناء و الأحفاد من المدينة فقررت الجدة مشروعا عملاقا و قررت أن تقوم بعمل المكامير و لكنها إختارت أن تكون بالديوك البلدية . إستيقظ الديك ما غيره نافشا ريشه صادحا بكل ما أوتي من قوة مختالا بين الدجاجات و بقي الديك الضعيف يمشي على إستحياء الى أن وصل حيث إعتاد أن يقضي يومه تحت شجرة الليمون في ظل السور صاح على إستحياء كأنه يقول ما زلت هنا على قيد الحياة . رشت الجدة العلف على أرض قاع الدار ثم إبتعدت قليلا تنتظر الدجاج ليأتي الى مكانه و في نفس الموعد الذي إعتاد عليه هرعت الدجاجات بصحبة الديك المغرور و بعض ديوك شابة و هو لا يدرك بأنه صيد الجدة و انها ساعات فقط و سيكون حبيسا بين طبقات العجين .
أصدرت الجدة أوامرها لبعض أحفادها كي ينقضوا على الديك المغرور و بعض الديكة الأخرى من حاشيته . حتى إذا ما تم الأمر وقعت عينها على الديك الضعيف تحت شجرة الليمون فأمرت أحدهم بأن يأتي به . توجه احدهم لإلتقاطه و بدأ الديك يفر من هنا و هنا دون أن يفلح الفتى في إمساكه فجاءته الأوامر : أتركه يا جديدتي هاظ لا للصده و لا للرده ما بنفعش للمكامير طل ما أضعفه .

و ما هي إلا دقائق حتى علا صياح الديوك المذبوحة و كان أعلاها صوت الديك المغرور . هدأ الصوت ثم عادت الدجاجات الى تناول العلف و إذ بهذا الديك الضعيف يخرج من مكان ما قد إختبأ به . لاحظ أن الديك المغرور لم يكن موجودا تشجع و اتخذ قرارا بتناول العلف . مشى بحذر و بدأ بتناول العلف عن الأرض و مع كل حبة علف يلتفت حوله خشية ظهور الديك المغرور . أكمل الديك طعامه ثم عاد تحت الليمونه و لكنه لاحظ شيئا غريبا حيث أن بعض الدجاجات قد لحقت به شيئاً فشيئاً تجمع الجميع حوله . غادر المكان و إذ بالجميع يتبعه و الديك المغرور ليس بينهم أدرك حينها بأنه رحل بلا عودة . صعد الديك الى جذع الزيتونه و أطلق صيحة هزت أرجاء المكان حيث أنه أصبح من هذا اليوم ملكا متوجا على الخم و صاحب النهي و الأمر في قاع الدار.

ملاحظة : قد لا تنفعك قوتك و قد لا يضرك ضعفك . الدنيا حظوظ

مقالات ذات صلة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى