
تُحدث ” جرائمُ القتل ” أثراً أوليّاً في نفوس النّاس يستدعي “الرفض” و”الإنكار”، لكن سرعان ما يبدأ هذا الرفض والإنكار بالخفوت ثمّ التحوّل تحت تأثير أسئلة تبدو مشروعةً تماماً وهي: “لماذا قتلَ القاتلُ مقتولَه؟”، و”ما الأسباب والدوافع الكامنة وراء القتل؟”.
هذه أسئلة مشروعة بل واجبة، لكنّ مشكلتها أنّها تتحوّل من أسئلة للبحث عن “الدوافع والأسباب” لعلاجها ومحاربتها، إلى أسئلة تبحث عن “مسوّغات القتل”، فينتهي الأمر عند فئة من النّاس إلى “تبرير القتل” و”تسويغه”، ويصبح رفض القتل بما هو قتل وإنكاره أمراً جانبيّاً يخفت ويضعف مقابل الضجيج الذي تُحدثه محاولات “التسويغ والتبرير”.
على الرغم من أنّ جميع الأديان والنُّظم الأخلاقيّة تُعلي -“نظريّاً”- من “قيمة الإنسان”، و”حُرمة دمه وحياته ووجوده”، إلا أن التجربة الإنسانيّة الممتدة آلافاً من السنين إلى يومنا هذا تمتلئ بمئات “المسوّغات” لقتل الإنسان بل “شرعنته”!
فقد استطاعت “المسوّغات” المستندة إلى “الدين” و”الوطن” و”الشرف” و”الحقّ” عبر “استعارات كثيرة”، أن تجعل سؤال “قتل الإنسان” أيّ إنسان سؤالاً غائباً ومُغيّباً، أو سؤالاً “هامشيّاً”، لتحلّ محلّ هذا السؤال أسئلة مثل: “ما المسوّغ لقتل هؤلاء؟” أو “أيّ القتل أكثر “تحضّراً؟”! ويصبح موقف الواحد منّا من “قتل الإنسان” مُرتَهناً بنظرته لـ”القاتل والمقتول”؛ فإن كان “القاتل” منّا وعلى ديننا ومذهبنا وتحزّبنا ومصالحنا، فإنّ “القتل مشروع”، بل هو “واجب ديني” أو “وطني” يستحقّ “القاتلُ” أن يُرفع مقامه في الدنيا والآخرة! أمّا “المقتول” فإلى الجحيم! وحين نكون نحن “القتلة” أو في صفّهم، يصبح “الأبرياء” الذين يُقتلون “ضريبة ضروريّة” لا يُمكن أن نتجنّب دفعها؛ فلا يسلم الشرف الرفيع من الأذى… حتى “يراق على جوانبه الدم”، ويُصبح الشعار المقدّس: “مَن لا يَقتل يُقتل”. أمّا القتلى فدوماً على قسمة “قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار”!
وحين تُغيّب “حرمة الإنسان وجوداً وحياة”، يُصبح الفرق بين “طُرق القتل” هو غاية ما يُقلق أو يهمّ! فالذبح بـ”السكين” و”قطع الرؤوس” جريمة بشعة تقشعّر لها الأبدان، بينما “الذبح” بالطائرات والصواريخ يُمسي “ذبحاً حضاريّاً”!
أمّا حين يكون “المقتول” منّا، فإنّ “القتل” جريمة لا يُمكن تسويغها، و”القاتل” مجرم مصيره “جهنّم”، و”المقتولون” ضحايا أو “شهداء”!
إنّ الدعوة إلى عالم “لا يُقتل فيه إنسان” تبدو دعوة “طوباوية” حالمة غير واقعيّة، نظراً للتجربة الإنسانيّة المعتّقة و”نوازع الإنسان الوحشيّة التوحّشيّة”. كما تمسي وصية النبيّ عليه السلام “كُن عبدالله المقتول لا عبدالله القاتل” مُضيّعة، لأنّ أحد منظّري جماعات القتل والتطرّف سيقول لك: هذا الحديث ورد في سياق الاقتتال بين “الإخوة المؤمنين”، ونحن قتالنا وقتلنا هو “للكفّار” من البشر! و”الكفر” وصف طيّع بيد مطلقه وعقله، فيوسّع فيه ما شاء متى شاء!
حين يتجاوز “الموقف من قتل الإنسان” الموقفَ الجذريّ الرافض له بكلّ أشكاله، فإنّه يُحدِث في السدّ الرافض للقتلِ شقّاً سيؤدي إلى هدم السدّ فتفيض الدماء “طوفاناً” يُغرق الجميع.
إنّ “التأوّل” و”الاستعارات” قد تكون قاتلة لما تتمتع به من قدرة على “التوسّع” أولاً، و”التسويغ” ثانياً؛ فمَن يرى “قتل الكافر” جائزاً أو واجباً، فإنّه لن يلبث حتى “يوسّع دائرة الكفر” ليسوّغ توسعة “دائرة القتل”، فكلّ مَن خالف “دينَه” يراه “كافراً”! ثمّ ينتقل خطوة في توسعة دائرة “الكفر” تسويغاً للقتل، فيرى مَن خالف “مذهبه” كافراً! ثمّ يستكمل الدائرة ليستبيح أوسع الدوائر قتلاً وإفناءً فيرى كلّ مَن خالف “رأيَه” كافراً! وعندها لا يصير قتل الآخرين سبباً للقلق وتأنيب الضمير، بل يصير غاية مطلوبة، وفعلاً واجباً محموداً يرجو به رضوان الله وجنّته، حاله كحال “ابن ملجم” قاتل “عليّ بن أبي طالب” رضي الله عنه، يتغنّى به وبفعله “شاعرٌ” مثل “عمران بن حطان” فيقول: “يا ضربة من “تقي” ما أراد بها… إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا”!
ومَن لا يستطيع تسويغ الأمر بـ”تكفير المقتولين” فإنّ حيل “تسويغ القتل” لا تنضب عنده! فيقول: ومَن قال إنّ “القتل والقتال” محصوران في “الكافر”؟ إنّ خطر “الضُلاّل وأهل البدع وأعوان الكفرة” لا يقلّ عن “هؤلاء الكفّار” بل يزيد. وهكذا لا يُصبح تسويغ القتل مفتقراً للتكفير ولازماً له، بل هناك دوماً في “جعبة” المتطرّف أسماء وأوصاف تسوّغ له “قتل” مَن شاء متى شاء وكيف شاء! حتى لو واجهتَه بكون “مقتوليه” من “الأبرياء” فسيجادل في “براءتهم”، وإن لم يجد في هذه المجادلة تسويغاً، فإنّه يلجأ لتوسعة “الضرورة والاضطرار”، فيقول:”لا بأس من قتل الأبرياء” إذا كان قتلهم “ثمناً وضريبة ضروريّين” لقتل الأعداء!
أمّا في السياق المجتمعيّ، فلا أقبح ولا أسوأ من تلك “الجرائم” التي توصف “زوراً وبهتاناً وإجراماً” بـ”جرائم الشرف”، وهي جرائم أوّل ما يُغتال فيها هو “الشرف” نفسه. هكذا تتكامل “دوائر القتل والموت والدّمار” عبر سلسلة لا تنتهي من “التسويغات” و”التبريرات”، تبدأ كلّها بتطويق “حياتنا” ووجودنا لأنّنا نرفض اتخاذ موقف حاسم حازم من “القتل” نفسه؛ نرفض إعلان الرفض للقتل بما هو قتل، ونصرّ على استحضار “إلا” الاستثنائيّة لنقول: نرفض “القتل” إلا… وهذا الذي بعد “إلا” يتوسّع أو يضيق وفق موقفنا من “المقتول”، فيصير “الاستثناء” قاعدة متّبعة!
قد يبدو الحديث عن “رفض قتل الإنسان” بأيّ مسوّغ “ترفاً فكريّاً وجدانياً عاطفياً”، يُتهم “دعاته” بالسذاجة والرومانسية الغبيّة! ولكنّني أعتقد أنّ ترك قضيّة “قتل الإنسان” مفتوحة للتأوّل والتسويغ ولو في أضيق الحدود، يؤدي إلى توسّعها وانتشارها وسيادتها على الفعل الإنسانيّ. لذلك لا أرى الاكتفاء بحلم “ألبير كامو” حين قال: “لا نسعى لعالم لا يُقتل فيه الإنسان، بل لعالم “لا يُسوّغ” فيه قتله”؛ بل أشتط بالحلم والسذاجة لأحلم بعالم “لا يُقتل فيه إنسان”. وهو “حلم” يبدأ بموقف جذري من “القتل والموت”، فأقول: “مَن كان مُستعداً للموت من أجل قضيّة، كان مُستعداً للقتل من أجلها”. لذلك أردّد مع “راسل”: لستُ مُستعداً للموت من أجل رأيي، لأنّني -ببساطة- قد أكون مخطئاً فيه”. وفي “القتل” كلّ المقتولين “أبرياء” لأنّني أرفض “القتل” نتيجة “خطأ” في حساب المسافة بين “المجرمين” و”الأبرياء”.
هذا الموقف “الرومانسي الساذج” أقوله الآن وأنا في فسحة من القتل، وبيني وبينه مسافة تُجيز لي “التفلسف والتّحلّم”. لكن لست أدري ما سيكون ردّ فعلي إن وقفت وجهاً لوجه أمام “القتل” و”القاتل المحتمل”؟! عندها قد “أقتلُ” حتى لا “أُقتلَ”، وسأجد “المسوّغ” لفعلي!
قد لا يبدو ما طرحته هنا “طوباويّاً” “حالماً” و”ساذجاً” وحسب، بل قد يكون “جُبناً” و”تخاذلاً” و”استضعافاً للنفس وإضعافاً لها”، فإنّ عالمنا الذي نعيش فيه لا يخلو من “القتلَة والمجرمين” و”الإرهابيّين” و”المحتلّين الغاصبين الأرض والإنسان”، فهل ينفع مع “هؤلاء” رفع الأيادي والاستسلام لهم ولإجرامهم؟ الجواب الذي يقتضيه مبدأ حفظ النفس الإنسانيّة وكرامتها هو: لا. فدفع أذى أولئك “القتلة” واجب من باب أنّ “بعض القتل” ضرورة لـ”الحياة”.
وهكذا فإنّني أعود إلى “إلا” والاستثناء، الذي سيظلّ ما ظلّ “الظلم والعدوان والقتل والقتلة، ولن يزول هذا “الاستثناء” إلا بزوال “الظلم والعدوان والتوحّش في سيرة الإنسان”. وهذا “الزوال” لا أظنّه يتحقّق في واقع “الحياة الدنيا”، وسيبقى “حلماً” نرجوه في “عالم آخر”، هو دوماً في “زمن آخر ومكان آخر”.
فلنبحث عن “أسباب القتل” لمعالجتها لنجفّف “مستنقع القتل والدماء”، لا لتسويغ “القتل” حتى يُغرقنا “طوفان القتل والدماء”.



