المفسدون في الأرض

#المفسدون_في_الأرض

د. #هاشم_غرايبه

كنت في الخامسة والعشرين من عمري حينما تقدمت لفحص قيادة السيارة، كنت آنذاك قليل الخبرة في الحياة، فلا أفسر الأمور إلا على ظواهرها.
جلس رئيس اللجنة الى جانبي في المقعد الأمامي، وعضوي اللجنة في المقعد الخلفي، كانوا يوجهونني لأسير في شوارع معينة الى أن وصلت أمام مطعم، قالوا سننزل هنا لتناول الإفطار هل تريد أن تأتي؟، شكرتهم قائلا: لقد أفطرت في البيت، وانتظرتهم في السيارة، بعد قليل عادوا ولم أحس أنهم قضوا وقتا كافيا، لكني لم أفكر بالأمر إذ كان تفكيري منصبا على نجاحي، في طريق العودة قال لي الرئيس: رغم أن لديك بعض الأخطاء، لكن لأنك على نياتك سننجحك.
عندما حكيت القصة لصديق لي أكبر سنا، قال: احمد ربك على أنهم نجّحوك، فهم عندما توجهوا للمطعم كانوا يأملون ان تدخل معهم وتدفع الحساب، قلت هل تريدني أن أرشوهم، قال: هي ليست رشوة بل إكرامية!، قلت: بل رشوة فالإكرامية تدفع بعد إنجاز العمل، رد علي: إذا بقيت (حنبليا) هكذا لن تنجح في حياتك!.
أعود الان في خريف العمر لمراجعة ما تنبأ به، فأجده صحيحا ان كان النجاح يتمثل برصيد بنكي من خمس خانات، واقتناء سيارة حديثة وبيت فاخر، لكني مقتنع بالمقابل أن خسارة المرء احترامه لنفسه لمعرفته بوضاعة أفعاله وإن خفيت على الناس، لا يعوضها إعجاب الناس بمظاهر ثرائه فيغبطونه، فهذا الإعجاب نصفه رياء ونصفه الآخر حسد، بينما رضى المرء عن ذاته أو عدمه، يكون جميعه حقيقيا، أكان مُبهجاً للنفس أم مُقبضاً.
أكاد أجزم ان الأردنيين إلا قليلا منهم، كانوا الى ما قبل عشرين عاما يعتنقون ما أعدُّه صحيحاً، فلا يمارسون الرشوة والإنتفاع من الوظيفة، وكنا نحس بهذا الفارق عند سفرنا الى سوريا أو مصر، فنجد أنه ومنذ دخول الحدود، تبدأ طلبات (الإكرامية!)، وبعضها اتخذ طابعا إلزاميا ولم تعد تعطى بالسر، دلالة على أنها موافق عليها رسميا.
عند عودتنا الى الأردن نتنفس الصعداء، فليس علينا أن ندفع أو تعطل معاملتنا، لكن كانت الواسطة تجعل معاملتك تركض سريعاً، غير أن ذلك لم يكن ليعطل مصلحة أحد، ولا ليعود على الموظف بأية منفعة مادية، بل بدافع المحسوبية للقرابة أو المنطقة.
ترى ما الذي تغير حتى تغيرت أخلاق الأردنيين؟.
يتحدث الناس عن تجارب كريهة حدثت معهم، موظف يعطل المعاملة ما لم يتم الدفع، ومُحضِرٌ في المحكمة لا يبلغ الدعوى إن لم يقبض مسبقا، ومُقدّرٌ في دائرة الأراضي يخفض الرسوم إن ألقمته مبلغا، وسائق سيارة أجرة يتفق مع طبيب على تقاضي حصة معلومة إذا أحضر مريضا (دسما) إليه.
الحقيقة أن الإجابة في: “عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا”، فالفساد الأكبر هو الذي يفرخ فسادات أصغر، وتبدأ القصة دائما من الأعلى الى الأسفل، بدأت بتسويغ مبدأ العمولة، وهي عندما يطلب مسؤول رفيع خاوة للموافقة على صفقة أو عطاء، تطورت لدينا بحيث أصبح عرفا أن يخصص المستثمر مبلغا لذلك، لكن (المعلم) الذي يودع المال باسمه لا يظهر، بل يفاوض باسمه مسؤول أدنى، وهذا سينال حصة، وتنسحب هذه الحالة نزولا حتى أدنى الدرجات، فتجد أخيرا أن من يطلب عشرين دينارا لإنجاز معاملة في المحكمة الشرعية هو بائع الطوابع، والذي لا يخفي عليك بأن أغلب المبلغ يذهب (فوق).
نستنتج أن الأخطر من الفساد هو الإفساد، وهو عملية توسيع مؤسسة الفاسدين نزولا حتى تعم الجميع.
هكذا هي البطون الجرباء التي لا تشبع ولا تقنع، لا تكتفي بنهب البلد اقتصاديا، بل بتخريب أخلاق الناس سلوكياً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى