في سجن الجويدة (٧) / النزيل : محمود الشمايله

في سجن الجويدة (٧)

بقلم النزيل : محمود الشمايله.

يقول المهاتما غاندي

(انا ارتدي الشماميط التي لا تستر الجسد لأني أمثل أمة من الجياع والعراة.)

مقالات ذات صلة

كان الضابط مشغولا بتصنيف الموقوفين الجدد حسب نوع الجريمة وعدد القيود السابقة من الاردنيين فيما جمع الجنسيات العربية في مهج الأجانب.

النزيل محمود الشمايله جرائم الكترونية ( مهجع ها غرفة ٣٣)
لا أدري لماذا قدمت لي التهاني التي رافقها بعض الحسد، على أية حال شعرت بشيء من الزهو أمام كل هذه المشاعر .

المهم أن لا أعود إلى غرفة الاستقبال …
اقتادنا الحارس إلى الطابق الثاني ، فيما كنت اجر جسدي في ساحة السجن ، بعض آثار الكدمات التي تلقيتها في سيارة الزنانة بدأت تظهر في مواقع مختلفة ، غير اني قررت أن القي بجسدي المتعب على اول سرير اقابلة.

المهجع ها كان يفيض بالموقفين وليس هناك أي مجال لاستيعاب أي سجين آخر وشاويش المهجع فاض به الغضب من إدارة السجن والمساجين على حد سواء .

اسندت ظهري إلى حائط الممر الضيق كما فعل شركاء الوجع، كنت أتساءل كيف يكلف السجين كل هذه المبالغ التي تتحدث عنها الحكومة في حين لم أجد مكان ابيت فيه ليلتي.

هذا الأمر لم يكن عادلا ابدا.
أخذوا حريتي بحجة الجرائم الالكترونية ، ولكن من حقي الطبيعي أن انام خاصة أن قرار المحكمة وان نص على سلب الحرية فهو لم ينص على بند التعذيب.

لا أدري كيف قضيت ليلتي تلك غير اني وجدتني ملقى على البلاط مع مجموعة من النزلاء .

لا أدري كم مضى من الوقت، صوت الطرق على الباب اعادني من حلم جميل ليصفعني صوت الباب المقرون بصوت شاويش المهج.
ربما كانت الساعة الواحدة فجرا ، قال أحدهم اخرجوا للعد..

خرج الجميع بتثاقل كبير، اصطففنا أمام المهجع ثم بدأنا بالدخول مرة أخرى والحارس يعد الجثث المتهالكة واحدة تلو الأخرى.
اغلق الباب من جديد ، اسندت ظهري للجدار ، ،، فيما غرق السجن في صمت سرمدي يشبه صمت المقابر ..

غفوت قليلا أو ربما كثيرا أو ربما أقل من أن يحتمل جسدي المنهك .
عاد الحارس ليطرق الباب من جديد وهو يصيح مرة أخرى
اخرجوا للعد … اخرجوا للعد ..
فغادرني النوم بلا رجعة.
قلت في نفسي ما دامت هذه ليلتي الأولى، لا شك انهم سيضعون صخرة على بطني تحت الشمس أو ربما سيصلبونني في ساحة السجن ، أو يقطعونني من خلاف ..

هذا ما أعرفه عن أساليب التعذيب التي تمارس على الأنبياء والصديقين….

بدأت خيوط الشمس تقحم نفسها في بطن العتمة،
صاح أحدهم موعد الفطور ،،،
خرجنا من المهجع إلى الطابق الأرضي واصطففنا في طابور عبثي ، كنت جائعا جدا ..

وصلني الدور إلى شباك صغير محفور في جدار السجن ، لم ارى وجه الرجل القابع في بطن النافذة غير اني شاهدت يده وهي تناولني حبتين بطاطا مسلوقة وبيضيتين ومربع زبدة صغير وبعض ارغفة الخبز .

ثم اتجهت الى برميل الشاي في الزاوية البعيدة ……

افترشنا بلاط السجن على شكل دائرة حميمية جمعتني بزملائي شركاء المهجع والبطاطا المسلوقة كانت سيدة الحضرة …

ضحكنا
ضحكنا كثيرا
ضحكنا من فرط تعاستنا ، ، ،
لا أدري لماذا كان على ابي مشعل أن يفسد صباحاتنا ،،،،
سألني ابو مشعل: لماذا أنت هنا؟!
عم الصمت ونحن نتابع وجه ابا مشعل في انتظار أن يسعفنا بكلمة ..

سحب نفسا عميقا من سيجارته الرخيصة ثم قال ..
من المؤسف أن نكون هنا.

هذا المكان ليس لنا
هذا المكان لا يليق إلا بالبرامكة الذين نهبوا الوطن بالجملة .

اضفت مازحا قلت اقعد يا ابا مشعل.

ضحكنا بشكل هستيري حتى فاض غضب الحارس فنهرنا بحزم وشدة..
قال أبو مشعل مشفقا : اعانك الله على حبسك أيها السجان .
البرامكة ايضا نهبوا رغيف خبزك بحجة الخصصة واللصلصة ثم سجنوك معنا خلف قضبان فقرك وقهرك….

انتشرنا في فضاءات السجن كل منا يبحث عن بقايا روحه .
الغريب في الأمر أن جدران السجن لا تكف عن الأنين ابدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى