ذنوب صغيرة

الرأي الثقافي :سهير السميري(الجموح)

قالوا: “الذنوب الصغيرة لا تصعد للسماء”

سارة..!
وبعد؟!
ليس في الحكاية -بعد– حكاية!
فقط كفّي عن الغياب، وتعالي.
يحاصرني فقدك يا سارة، مثلما تحاصرني عيون الناس،
تعربشوا سيرتنا بكلام ينقصه الكلام.
أتحاشاهم مسرعة كمن يقطع خط سير مشاة في شارع مزدحم،
غولة نظراتهم تجعل عمر الوجع أطول وأشد.
***
سارة..!
مضى عام على رحيلك، وأمي ما تزال تخطئ بالتسبيح كل مساء.
تسدد لنا سهام الوصايا وتجمعنا على بخورها،
وتحصّننا من شر النفاثات في العُقَد، ومن شرّ الوسواس الخناس..
ما تزال تظن أن غيابكِ عينٌ أصابتنا.
مذاق الفقد ثقيل ثقيل؛ يا سارة. وأمي لا قدرة لها على بعض غيابك،
فكيف كلّه!
زفير أمي جاهز، أكوام.. أكوام!
وعيناها مطفأتان في الدمع.
أفكر.. لو تدعني ألعق جفنيها وأُرطّبهما!
***
من قعر عام، وعينا أبي الصغيرتان مثبتتان على حزن مقيم،
مبللتان بدمع يابس لا ينزّ.
أراهما كالتنور يدار عليه قرص الوجع يميناً وشمالاً.
وجعه صاحٍ كـ غفير مناوب.
يمشي متجاهلاً وجوهنا، ويلفّ يديه خلف ظهره ليحفظ توازنه.
تقوّس ظهره كثيراً يا سارة، بل تقوّس كله من السعال الذي يصبّه في قهوته كل صباح، ومن الليمون الذي يقطره غيابُك في عينيه كل مساء.
اعشوشبَ الحزن بكثافة على حاجبيه، ونما على ذقنه مثل إبر بيضاء كالملح.
الشرود تبغُ أبي!
وصمته طويل، طويل، كأن دلواً من الرصاص سُكب على قلبه.
***
من أخمص عام مضى وشراييني عاطلة عن الفرح،
ما أزالُ أبكيكِ كل ليلة وجعاً مختلفاً.
بليدٌ هذا الحزن،
مقرفصٌ على الأعتاب،
أطرده فيعود، ثم يطردني فأعود!
ذبلت الروحُ يا سارة،
أصبحنا كخيمة ممزقة، انكسر عمودها، ولم يستقم بعد.
أخي كسر العمود!
***
أخي نطفة بؤسنا. كان يرى الحنين مذكراً، والأحلام رفيقةَ سوء.
وسارة اختمرت طينتها. صارت طيناً يتشهّى الماء.
كانت تربّي الحنين في قطن وسادتها، تحوّش بضع قطراتِ مطر في دفترها،
وترسم وجهاً لفتى لا بد سيأتي.
كانت تدغدغ أقدام أحلامها الحافية، ولا تنام قبل أن تنعس فيروز.
تقول أمي: رجف قلبي حين أصرّت سارة على شراء حذاء بكعب عالٍ وهي ما تزال تمشط شعرها نصفَين، وتضع على كل ضفيرة شريطة حمراء.
رجف قلبي حين شهقتْ بهذه الرغبة تحت المطر.
***
على دِكّة ليلٍ ضرير كانت تزيح البراءة جانباً، وتفاجئني بما تخفي في دفترها،
ولا تنسى أن تبلع ريقها جيداً فلا يبقى ما يدلّ على أسرار لا ترتدي الخجل.
نصحتُها مراراً: ابصقي أحلامك.
قلت لها: كوّمي الحنين على عتبة بيتنا، فمكبّ النفايات قريب.
أخبرتها أن الهوى كدوائر الدخان، له رائحة توقظ قابيل النائم تحت جلد أخي.
كانت تبتسم وتقول: سأتزوج عن حب!
مر عام ولم أنتبه أن الفجر يجيء بموعده،
مر عام وصار منقار أخي قابيل أطول، وينعق علينا كل حين..
***
نعود إلى مبتدأ القصة حين استفاقت القرية على خبر مهول.
قصف أخي غصن سارة بمنجل ظنونه.
أطفأ عمرها كما يطفئُ عقبَ سيجارته!
***
.. وكان يعرف أنني أحمل جينات سارة نفسها، المبتلّة بالحنين.
صرتُ أتعمد أن أترك باب غرفتنا مفتوحاً لعل نسمة ندم تهبّ عليه، أو أسمع
منه طقطقة أسف!
.. لعله يتوقف عن طَلْيِ جهاتي الأربع بالإشارات الحمراء!

جريدة الرأي

أ.ر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى