
على رأي شهريار ..
في كل مرة تتأهب فيها شهرزاد لقصة جديدة تسرح فيها بخيال شهريار يعطيها من سمعه كُله ومن تفكيره جُلة لكنه في هذه المرة أراد أن يثير خيالها ويستجمع بُعد النظر من حكاياها فطلب منها أن تحكي له حكاية عن أحوال تجري على الإنسان في آخر الزمان فقد مل ما كان في غابر الأزمان ففيما مضى عبر وكذا فيما هو آت…
أطرقت شهرزاد في ذهول فقد ملكت قصص الغابر من الزمان وما خطر ببالها شيئ عن آخر الزمان حتى أسعفها جنيٌّ كان في حضرة المكان فسَرَّع الزمان وأمام عينيها أظهر ما في الأكوان فهو من الذين يعلمون ولكن
“فوق كل ذي علم عليم ”
فتعالوا بِنَا نرى خبر ما سردت أكان حقا أم كان من أضغاث الشياطين …
أنصتوا معي فصوت شهرزاد ينساب كالرذاذ …
بلغني أيها الملك الرشيد ذو الرأي السديد سيدي ومولاي شهريار أنه يكون في آخر الزمان نوعان من البلدان .. بلاد أناسها بلغات شتى يتحدثون وكل لسان هو بمنطقته مرهون ، ولهم في معاشهم يسر من غير عسر يرفلون .. لا جوع عندهم ولا نصب … والنّاس في شؤونهم لاهون … عن الضغينة وآفات النفس يترفعون… ولهم وسائل شتى للحياة مُنظمِة … وللمعاش مُيَسِرة … يصنعون ما يشبه الهياكل .. على دواليب تدور رُكِّبَت … تُقَرِبُ البعيد وكلها من حديد … يتنقلون بها حيث أرادوا برا بحرا جوا دون حدود… العلم عندهم واسع وهو في الخير وافر … وكذا بصنوف الدمار يمد يده ويغامر …
وأما ما كان من خبر الأمراض فإنه يا سيدي ينتشر أمراض غريبة لا يعرف لها سبب ولا يقدر على شفاءها أحد فلا يكون من أمر المستشفيات عندهم الا تسهيل العلاج وجلب الدواء بغية الشفاء لا تجد في مستشفياتهم محاباه فكل الناس سواسية عند المرض ..
وقد كان في ذات الزمان أناس آخرون في محيط واسع يعيشون وبلسان واحد ينطقون لهم في معاشهم ضنك … والنَّاس في شؤون غيرهم مهتمون … وآفات النفوس فيهم كثيرة … العلم عندهم شهادات ..يقضون فراغهم يتراسلون وفي كل حديث يخوضون يستقدمون ما يحتاجون من كل صوب وحدب وهم عن إعالة أنفسهم قاصرون ولآلاتهم وغذائهم مستوردون وعن العلوم معرضون الا قلة لا يجدون سوى المهاجر لأحلامهم حاضنون …
وأما ما يكون في حال المرض فإن المريض يتلقى جودة المُقام وحسن العناية والخدام حسب الجيب وما حوى فإن كان هزيلا حد الحاجة تكدس المرضى في غرف حامية ، لا مروحة فيها ولا حاوية أسِرَّتُها متقابلة وزُوارها كثر يثرثرون وفِي رؤوس المرضى نواقيس ازعاجهم يدقون ، وهم من كل لهو ينفقون ونية قدومهم إعادة المريض لنيل الأجر والثواب ، لا علم لديهم ان الزيارة غارة من آدابها إختصار الإقامة . .. في مستشفياتهم ممرضون وعاملون سيماهم العبوس وديدنهم التسويف يقطعون اوقاتهم متأففين كأنهم على عملهم مغصوبين وأنه ايها الملك السعيد إن كان المريض ذَا ميسرة واستطاع أن يدفع من جيبه المكنون أو كان من أصحاب الحظوة الميامين الذين استحقوا الإهتمام فلا تأجيل ولا تسويف فهو عند الجميع ينال التبجيل وسرعة الإجابة والتسهيل فإن له غرفة واسعة بنقوده استحق التكييف وشاشة عرضها فسيح بالريموت يُقَلِّب الصور ، ينساب منها صوت رخيم لا يعلو عن مرمى السمع .. هدوءها ساكن ، للنوم جالب وعلى الراحة حامل ثم إنه يا مولاااي لك من أخبار الحروب والمحن ما يندى له الجبين ويُبكي المقل وأنه ياااا مولاي…
توقفي يا شهرزاد فأنا من سردك قد إكتفيت وإستخلصت العبرة وتبينت أن ليس للإنسان ثمن وإن ظهر في ذلك الزمان له ثمن .
وخير الأزمان ما كان فيه الإنسان عند الضعف ليس مهان فحالة المرض أشد حالات الضعف لدى الانسان…
وعند القوة يسعى في صالح الأنام وأن البشر عند المرض يتساوون لا فرق بينهم وإن اختلفوا فيما يملكون .. ولو أكملت شأن الحروب لما كان عندي أن أقول الا بقصور البشر عن فهم غاية الوجود .
قصتك خيالها واسع لا دهشة فيها ولا عجب …. فإنسان ذلك العصر ذو عقل رشيد لكنه من أحوال القهر مغلوب وبأمور حياته مكروب وليس له الا أن يتوب وإلى رشده يعود …وكي يستقيم الحال عليه بالمحال وليس من المحال في ذلك الزمان ان يعامل الإنسان أخاه الإنسان بالرحمة والإحسان .
وكي تختفي الآلام وتنجلي الأحزان عليه بالنفوس فمكمن الآفات يلزم له تنظيف و …
هنا صاح ديك الصباح ولَك أيُّها القارئ أن تكمل ما بدأه شهريار كي يكتمل


