
الاردن بين تردّدَيْن
كم تمنيت ان يكون خلاف الرئاستين ,النواب والحكومة لصالح قضية بحجم الملكية الاردنية او الفوسفات مثلا .او ان يكون افتراقا في القراءات حول مفاعيل حزمة التشريعات الاستثمارية او ربما رؤى افترقت حول معدلات البطالة وسياسات التشغيل المفرغة من أي معنى عدا المعارض والصور والابتسامات . او لاقلل حجم التوقعات والاماني ليكون الخلاف حول شارع ما .. أي شارع تم تعبيده بطريقة مغشوشة وتم استلامه بطريقة اكثر غشا بحيث تبنى كل طرف احد الغشين واصر على موقفه ولم تتمكن كل الدوائر المفتوحة والمغلقة جسر الهوة بين الغشين .
اصل الحكاية تعيينات موظفي مجلس النواب وهي اساسا محط ومحل اسئلة كبيرة تتعلق بالاسس والمعايير والضرورات وترد فيها كل اصناف المحسوبية والواسطة وقلة النزاهة .. ولكنها دائما ما كانت تمرر بانسيابية عالية في اتفاق ضمني يستند الى مشيلي بمشيلك وهي نفس قاعدة ( حكللي .. بحكللك) وهي قاعدة معروفة وتحظى بشعبية واسعة بين المؤسسات والادارات الاردنية لا بل هي عرف سرى حتى ترسخ في الفؤاد فغدا قانونا لازم النفاذ .
رئيس الحكومة ابدى ترددها أي الحكومة في اقرار هذه التعيينات وهو ابتكار فريد في علم الادارة الحكومية يسجل امتيازه لها ذلك ان المعروف ان الحكومة توافق او ترفض في حدود صلاحيات تستند الى القانون وفي حال أي استشكال فانها تسأل عما اشكل عليها بصورة محددة .. لكنها دائما ابداعات الفكر الخلاق للحكومة وتماهيها مع ضرورات النماء الانساني وتوظيفه لكل ما يخدم حركة التقدم والنماء والابتعاد عن النمطية المعهودة والممجوجة .
رئيس النواب ابدى تردده المضاد ايضا ازاء سلوك الحكومة وقد تخلل هذا التردد لغة خطاب عالية الذبذبة لم نألفها سايقا ومن الفريد الاكتشاف الجديد حول شخصنة العمل الحكومي لا بل سلوك يستند الى المحسوبية والمصالح للحكومة سيكشف عنه في الوقت المناسب .
فزعة الحكومة بقيت هادئة ذلك ان رئيسها كفى ووفى لكن فزعة النواب تمايزت وانتفضت في اتجاهات جزء منها ينتخي لرئيسه وجزء وجدها فرصة لمهاجمته واستعراض العضلات عليه واخر وجدها فرصة مزدوجة لمحاولة الحصول على مزيد من التوضيفات والتنفيعات الخلفية ومجاملة الرئيس ذلك انهم في مجالسهم الخاصة يعبرون عن مدلولات مفهوم (فخار يكسر بعضه ) والتي تحظى بحضور وطني عريض.
تُرى اين كان رئيس الحكومة من ذات التعيينات في السنة الماضية واللواتي قبلها واين كان رئيس المجلس من سلوك الحكومة في سالف الاوقات كلها .. واذا كان ما يقول صحيحا فكيف يصمت هذا الزمن الطويل . واين هم النواب الذين اكتشفوا فجاة ان الحكومة تتعامل معهم دون احترام مع كل الثقات التي منحوها مجانا لذات الحكومة . ام ان المسألة برمتها توظيف ممجوج واستخدام مشوه للغة القانون ومعايير النزاهة لتمرير وتمتين مواقف شخصية ذات بعد مصلحي يرتبط بهم جميعا الا بالمصلحة الوطنية وهموم الناس واحتياجاتهم .
مؤشرات مقيتة ودلالات سلبية مزرية يحملها هذا التلاسن تعبر عن غياب واضح لمعايير جدية في تناول المصالح العامة وادارة الشأن العام والمال العام لكنها ايضا تكشف ما هو مستور من تجاوزات خطيرة في سلطات الدولة السيادية تسكت كل منها عن تجاوزات الاخرى تُعرف بالصدفة او عند خلاف ما يطرأ فيكشف كل طرف عن مستور صاحبه .
تجاوزات السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية للقانون نصا وروحا تستوجب المساءلة القانونية والشعبية ايضا فكلا السلطتين تتصرفان وتصرفان من المال العام الذي هو مال الاردنيين وتتحكمان بمقدرات الوطن التي هي مقدرات كل الاردنيين ولا ينبغي لما يكشف ويصرح به حولهما منهما ان يمر دون تمحيص وتدبر وقراءة
تُرى .. الا يستحق الاردنيون جيلا جديدا من الادارات الشابة القادرة على تجاوز هذا الترهل بلغة وادوات جدية ؟

