
#من_عصر_البطاطا_إلی_عصر:
﴿ الرز بين التعديل والتعدين﴾
شبلي حسن العجارمة
قبل إثنين وعشرين عاماً من هذا المقال وأثناء أجازتي العسکرية ال ٤٨ ساعة کنت أنوي الطشة مثل الکوبار کما کان يصفهم والدي ،ولم تکن الطشة أٓنذاك تکلف الکثير ،لأنني من الجيل الذي رضع ثدياً من الحليب والأخر ثدي القناعة أو الحکمة القاٸلة ”علی قد لحافك مد اجريك“ ،علماً أن والدتي کانت أسخی ما تکون في صناعة لحافي أنا وإخوتي والذي کان عبارةً عن حشوة من نفش جرازي الصوف القديمة علی شوية شرايط کوکتيل علی حبة قطن أسود، وعن الکسوة حدث ولا حرج ; فهي عبارة عن صورة طبق الأصل عن سکان هذا الوطن الحبيب کما کا يصفه زميلي عبد الخالق حين يقول ”والله هالبلد صارت مثل اللحاف المرقع“، فکسوة لحافي کانت أشبه ما تکون بخريطة تکتونية للأرض قبل استقرارها أو أطلساً للجغرافيا المنسية بلا دليل استخدام أو کما هو حال الوطن العربي بعد مواسم الثورات والثيران ، فلم تبقِ قطعةً من معطفٍ عسکري أو مزعة قميص إمبريالي أو شقفة بنطلون شارلستون ليبرالي أو رقعة خريطة طحين المعونات الزيرو الأمريکي إلا ونسجتها بطريقةٍ أکثر عشواٸية وأفضع خربطة وأتعس فنية.
لقد أخذني بکم لحافي المرقع بعيداً عن الطشة ،والتي کانت وجهتها مادبا لمجمع الباصات والخمخمة من علی بسطات أبو النص نيرة وإنزل ، وکان رفيق الطشة ابن العم خالد، وبعد تمليس شعري بالفازلين لغلاء الجل وکريمات الشعر وندرتها في الحارة والدکاکين القروية ،سألت زوجتي السٶال الأردني الکذابي المشهور ”شو بدکم من السوق؟“ ، کانت زوجتي أعرف الناس بمحفظتي أم النص دينار التي لا تحتوي سوی شهادة التعيين وقسيمة الإجازة والستة دنانير الخضر، فقالت ”إذا لقيت بطريقك بطاطا رخيصة هاتلنا معك“ ،ومصطلح رخيصة متعارف عليه بيننا ”يعني بطاطا من النخب البرارة“ ، وأثناء قصدرتنا أنا ورفيقي علی النمرة ١١ لحق بنا إبن عمي وکان يمتلك سيارة وعندما نزلنا علی الشارع العام قلتله إبن عمي ما بوصيك إذا لقيت بطاطا رخيصة هاتلي معك صندوق، وصلنا مادبا وإذا بصاحب بسطة خضرة ينادي ”بطاطا بس بدينار البکسة“ ، فرکضت أنا وابن عمي قبل نفاذ کمية البطاطا التي لم أفکر بشکلها ونظافتها أو حتی لونها، وبعد أن انتهت الطشة الرخيصة ،أخذنا أول باص ورجعنا للقرية، وکنت أمشي مسرعاً للبيت بهذا الصيد الثمين من البطاطا وحين وصلت البيت قبل أن أبشر زوجتي بادرتني بقولها ”أبشرك إجت سيارة الخضرة ولقيت البطاطا رخيصة بدينار واستقرضت من جارتنا واشتريت وحدة“، وقبل أن أصحوَ من هول الصدمة کانت والدتي قد أرسلت لي صندوق بطاطا مع إبن الجيران وقد حملته الوصية هات من دار شبلي دينار حق البطاطا خابرهم البارح ودهم يشتروا بطاطا، وحين هممت بعمل جولة من الغوش والهوش وفش الغل إذا بابن عمي صاحب السيارة يفتح صندوق سيارته ويناديني تعال خذ بطاطتك لقيتها بس بدينارين .
کنت ما بين اللطم والنواح والنعي والبکاء بل وفتح بيت عزاء والتقدم بادعاء ضد صنف البطاطا بالذات الذي سبب لي هذه الفاجعة الکبری، ستة دنانير ولا أمتلك غيرها حينما تحولت لضروس وحبات وبراعم من البطاطا، وقفت مشدوهاً واجم الوجه أبحث عن ضحيةٍ أنحرها باسم الستة دنانير أو انتقاما للبطاطا التي شکلت انحداراً تاريخياً في حياتي ،فهل أطلق زوجتي أم أعق والدتي أم أقول لابن عمي ” الله لا يخلف عليك“، أم أعود لمادبا للتوسل للتاجر المتنقل عبر أرصفة المدينة کي يعيد لي نصف الثمن ويأخذ برارة البطاطا التي تقاسمنا جريمة الغش أنا وهو معاً.
تکرر المشهد معي قبل عام تقريباً لکن بصنف أخر وضروري ألا وهو ”الرز“ ،ولکن بتغير کل مقومات حياتي الشخصية والخاصة ; بدلة وربطة عنق وعطر وشعر مجلتن وتلفون خلوي أقوی نوع ، وکان التنسيق بيني وبين البيت علی الهاتف النقال ”الرز بحال البلاش کم بدکم أجيب؟“ ، کان الجواب من البيت ”جيب قد ما تقدر“.
اشتريت کومة من أکياس الرز الأمريکي والفيتنامي والهندي والمصري ، وحين قمنا بفتح الأکياس حسب تاريخ الإنتاج وأولوية مدة الصلاحية وجدنا السوس والعفن والکثير من الحشرات الطاٸرة والزاحفة والشواٸب قد استوطنت مملکة الرز الرخيصة قبل وصولنا لمهرجان الرخص والتنزيلات بشهور طويلة.
ولا زلت أتنقل ما بين عصرين ،عصر البطاطا التي استعمرت کل وجبات طعامنا لمدة شهرين باختلاف الشکل ولکن بنفس الطعم فمن بطاطا السلق إلی القلي إلی الشوي وهلُمَّ جرَّ إلی عصر الرز الذي بات يفرض نفسه بکل تطفله ومارکاته وشکله ” منسفاً أو کبسةً أو مقلوبةً أو مجدرة“ ولکن زيادةً علی مذاق الطعم لا بد من حفنة سوس أو عرام من العفن أو سرب من الحشرات البرماٸية التي باتت لا غنی لها عن الرز ولا للرز غنیً عنه.
لا زال إبن عمي خالد کلما ذهبنا في طشة جديدة بعدما صرنا نشبه الکوبار بسياراتنا الخاصة يتوقف عند کل محل أو عريشة أو بسطة خضار ويقول لي مداعباً ” خذ البطاطات واجبرهن عن هالبياع لأنهم يقولوا البطاطا رح تنقطع “.
