
الانقلاب المزعوم
في البداية، القوات المسلحة التركية تتكون من خمسة أفرع هي: القوات البرية والقوات الجوية والقوات البحرية وقوات الجندرمة (الدرك) وقوات خفر السواحل، ومجموع هذه الأفرع يزيد عن 700 ألف جندي، وهي أكبر قوة عسكرية إسلامية في العالم، كما أنها ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي (بعد الولايات المتحدة) ، وهي أيضاً سادس أكبر قوات مسلحة في العالم (بعد الصين والولايات المتحدة والهند وكوريا الشمالية وروسيا)، ليس هذا فقط بل أن هذه القوات تشرف على 80 رأس نووي أمريكي مخزن في الأراضي التركية، وهي قوات مشهود لها بانضباطيتها العالية وقدرتها وحسن تنظيمها، ففي الحرب الكورية فقد اللواء التركي 731 جندياً وكان له دور رئيسي في وقف الزحف الشيوعي القادم من الشمال، وفي قبرص وخلال فترة وجيزة تمكنت القوات التركية من السيطرة على 40% من مساحة الجزيرة للسماح لاحقاً بإنشاء جمهورية شمال قبرص التركية، وفي حروب البلقان وأفغانستان أثبت أيضاً قوتها، ولعل أهم انجازات القوات التركية هو الحفاظ على وحدة أراضي الدولة التركية من خلال التصدي بنجاح للجماعات الكردية المسلحة في جنوب شرق تركيا التي تسعى إلى الانسلاخ وإنشاء كيان كردي خاص بها.
جيش بحجم وقوة وهيبة الجيش التركي هو بلا شك يمكن أن يشكل عنصر هام من عناصر مكانة وهيبة أية دولة تمتلكه، وهو جدار قوي منيع يمكن للقادة السياسيين أن يستندوا إليه لدعم مواقفهم السياسية، وتعزيز سيادة الدولة واستقلالية قراراتها في القضايا الدولية .
بعد هذه المقدمة المختصرة، كيف تعامل أردوغان مع هذا الجيش ؟ في قضية حصار قطاع غزة . . لو لم يكن أردوغان واثقاً من قدرات الجيش التركي لما تجرأ على أن يتحدى العسكرية الاسرائيلية وأن يخاطر بمحاولة فك الحصار عن القطاع، وفي خضم تلك الأحداث التي اختلقها أردوغان مع اسرائيل لم تهتز شعرة في رأس جنرال تركي واحد، بل كان موقف الجيش الوقوف خلف القيادة السياسية لأردوغان، وعندما اسقط سلاح الجو التركي القاذفة الروسية التي اخترقت الأجواء التركية لمسافة قصيرة جداً، وقام أردوغان بعدها باستعراضه الخطابي ضد روسيا كان موقف الجيش التركي هو نفسه بالوقوف خلف القيادة السياسية لاردوغان والاستعداد للتصدي لأية أخطار تواجه الدولة، حتى لو كانت من قبل قوة عظمى مثل روسيا، ولولا إدراك الروس لقدرات الجيش التركي لربما ردت روسيا بصورة مباشرة وعسكرية على اسقاط قاذفتها.
الحادثتان السابقتان أثبتتا بأن القوات المسلحة التركية هي قوات منضبطة ورهن الاشارة للدفاع عن الدولة التركية، هذا على الرغم من أن أردوغان خلال تلك الفترة لم يتوقف عن بث بذور الشك والريبة ضد قيادات الجيش التركي واتهامها بأنها تحاول الانقلاب عليه، وهذا أمر تقليدي نمطي معروف عن الاخوان المسلمين في كل البلدان، حيث أنهم يرون دائماً بأن الجيوش الوطنية تقف عقبة أمام طموحاتهم، وخير شاهد على هذا ما جرى في مصر ، فالرئيس المصري الاخواني مرسي ما أن تسلم الحكم حتى حاول أن يضعف مؤسسة الجيش المصري لأنه رأى في قوة الجيش إضعاف لقوته وسلطته.
وعودة إلى موضوع اسرائيل وروسيا، فأردوغان الذي اختلق هاتان المشكلتان مع هاتان الدولتان، وصال وجال بخطاباته المحرضة للشعب التركي والشعوب العربية والاسلامية ضدهما، عاد بكل إذعان وإذلال ليقدم اعتذاراً رسيماً لروسيا ومثله لإسرائيل على شكل تطبيع للعلاقات بين البلدين، ولنا هنا أن نتسائل، لو أن بريطانيا أسقطت مقاتلة روسية اخترقت أجوائها في بحر الشمال ثم قام رئيس وزراء بريطانيا بالاعتذار من روسيا هل كان سيبقى رئيس الوزراء ذلك في منصبه؟ بالتأكيد لا، ومع ذلك لم يصدر عن أردوغان الذي يدعي حرصه على الديمقراطية أي تلميح إلى انه يتحمل المسؤولية الشخصية عن ما جرى مع روسيا واسرائيل، ولو كان ديمقراطياً حقاً لقدم استقالته للتكفير عن المهانة والذل الذي وضع دولته فيهما .
وبعد كل هذا، ألا يعتبر قيام القوات المسلحة التركية بالانقلاب عليه (إن صح ذلك الانقلاب) مشروعاً ومبرراً لاعادة الكرامة الوطنية؟ تلك الكرامة التي يعتبر العسكريون هم أكثر من يقدر قيمتها، تلك الكرامة التي أراقها أردوغان بساسته الخارجية الفاشلة التي سببت العزلة لتركيا.
وبالعودة إلى موضوع الساعة (الانقلاب المزعوم)، هذا الانقلاب بحد ذاته عليه عدة علامات استفهام، منها:
(1) الذي يقوم بالانقلاب على رئيس دولة يقوم بالسيطرة على ذلك الرئيس أولاً ولا يبدأ بالانقلاب من الأطراف.
(2) الذي يقوم بالانقلاب لا بد له وأن يمهد له بالتوافق مع جهات في المعارضة السياسية لذلك الرئيس أو على الأقل بتحييدها قبل الانقلاب وهذا لم يحصل.
(3) بعد سويعات من الاعلان عن بدء الانقلاب تم الاعلان عن تجريد آلاف المسؤولين من مناصبهم القضائية والعسكرية، فمتى تم تجهيز هذه القوائم بهذه السرعة، أم هل كانت جاهزة مسبقاً؟
(4) جيش بحجم الجيش التركي لو أراد الانقلاب على أردوغان فإن نسبة 10% منه فقط ستكون كافية لتنفيذ الانقلاب بنجاح، ولكن الأرقام التي يتم ذكرها تؤكد بان المشاركين أقل من 1% فهل هذا انقلاب عسكري حقيقي؟
(5) جيش بحجم الجيش التركي يضم عشرات الجنرالات من رتبة فريق ولواء هل يقبلون بأن ينقادوا وراء انقلاب من تدبير ضابط برتبة عقيد؟
الخلاصة:
(1) أردوغان الاخواني يرى بأن الجيش يشكل عقبة أمام تحقيقه لطموحاته السياسية فسعى منذ توليه السلطة إلى إضعاف المؤسسة العسكرية بشتى الطرق.
(2) أردوغان سعى إلى إفراغ المؤسسة العسكرية من القيادات الكبيرة التي تؤمن بدور الجيش كحامي وحافظ للإرث الأتاتوركي العلماني الذي ساهم في الحفاظ على وحدة تركيا منذ سنة 1923م وحتى اليوم.
(3) حاول أردوغان استفزاز المؤسسة العسكرية بأتهامها مراراً وتكراراً بأنها تحاول الانقلاب عليه ولم تفلح محاولاته تلك.
(4) عندما لم تفلح جهود أردوغان لجر الجيش إلى مواجهة قام بإختلاق الانقلاب (المزعوم) الهزيل والضعيف بقيادة ضابط برتبة متوسطة (عقيد) ليستغله لتحقيق أغلب مصالحه الشخصية ومنها:
-تعزيز مكانته السياسية التي خسرها بعد اذلاله أمام روسيا واسرائيل.
– التخلص من القيادات العسكرية التي يراها لا تتفق مع طموحاته واستبدالها بقيادات موالية له.
-التخلص من معارضيه في الجهاز القضائي.
– تشديد الأحكام القضائية ضد مئات الأكاديميين والصحفيين الذين تم اعتقالهم بسبب انتقادهم لسياساته.
– محاولة التخلص من فتح الله غولن (الاسلامي المعتدل المنفي في أمريكا) الذي كان سبباً من أسباب وصول أردوغان إلى السلطة والذي كان حليفاً له حتى سنة 2013 ، وبعد أن كشف فتح الله غولن فساد أردوغان وعائلته الاقتصادي وطالبه بالاصلاح، انقلب عليه أردوغان واصبح يسعى للتخلص منه.
بالنتيجة، فإن أردوغان لا يختلف عن أي زعيم من زعماء العالم العربي والعالم الثالث، فهو يسعى إلى ترسيخ شخصية الزعيم الأوحد المعصوم، وذلك يتبدى في سعيه الحثيث لاضعاف كافة السلطات الأخرى من قضائية وبرلمانية وحزبية وعسكرية في سبيل تعزيز سلطاته الشخصية لتحويل الدولة إلى نظام رئاسي تكون بيد الرئيس كافة السلطات، واذا ما تحقق كل هذا لأردوغان فإن تركيا مقبلة على ما هو أخطر، لأن سياسة أردوغان الأحادية التي تتعامى عن التنوع الاثني (ترك، أكراد، عرب، قوقازيون . . الخ) والتنوع الديني (سنة، علوية، مسيحيون) ، ستكون تلك السياسة المقدمة إلى تأجيج الصراعات الاثنية والطائفية وتكون مقدمة لتفتيت الدولة على غرار المشهد العراقي والسوري.
