بغل الكاز / سهير جرادات

بغل الكاز

أكثر ما كان يميز فصل الشتاء البارد أيام زمان ، ذلك البغل الذي يسير في الشوارع تحت المطر ،وهو يجر خلفه عرباية الكاز أو ما كانت تعرف باسم ” طنبور” ، وهي عربة مصنوعة من الأخشاب أو المعدن ، لها عجلتين أو أربعة .
ويوضع على “الطنبور ” تنك مملوء بالكاز ، في مؤخرة التنك توجد حنفية تتدلى لتعبئة الكاز للزبائن، ويمسك البائع بيده جرس حديدي ،يهزه لينبه الناس بمروره ، ويشعر أهالي الحي بقرب وصوله ، ليلتموا لشراء حاجتهم من مادة الكاز،المهمة للتدفئة في مختلف أنواع “الدفايات” ،وبالذات صوبة البواري ، أو صوبة علاء الدين المشهورة ، كل يحمل التنك الحديدي بلونه الأخضر أو المائل للصفار ، أو ذلك “الجلن” البلاستيكي ليقوم البائع بواسطة الكيلة،التي يكيل بها كمية الكاز المطلوبة ، ويملأ “الجركن” بواسطة المحقان الحديدي المعلق على الطنبور باللترات اللازمة من هذه المادة المشتعلة دون أن يدلق الكاز على الأرض ، فيضيع عليه ثمنه .
ويزين عنق ذلك البغل ، الذي كان يعرف باسم بغل الكاز أو طنبر الكاز أجراس تصدر رنين ، وزينة مختلفة يجتهد صاحبه ويبالغ في تزيينه بألوان مختلفة لإضفاء جمالية على البغل، ناهيك عن صوت البائع الذي يصدح بأعلى صوته ” كاز .. كاز ” ،معلنا مروره في المنطقة ، ليتمكن أهالي الحي من الخروج إلى الشارع ، ويتهافتون إلى بائعهم المتجول ومعهم “الجركن” ،للظفر بحاجاتهم ،وأحيانا كان يترك لى باب المنزل كإشارة لسائق الطنبور بأن هذا المنزل بحاجة إلى الكاز،وهو مشهد يدل أيضا على تكاتف أهالي المنطقة الذي بدورهم ينبهون بعضهم البعض.
إلا أن أكثر ما يميز بغل الكاز أو الطنبور ، قطعة الجلد السوداء، التي كان صاحب الطنبور يحرص على أن يضعها على عيني البغل ، والتي تمنعه من الاتجاه يمينا أو شمالا، مما يجبره إلى النظر إلى الأمام فقط ، حتى لا يفزع من رؤية السيارات في الشوارع غير المعتاد عليها في الأجواء الريفية والقروية والأحياء الشعبية، ويجفل فينحرف عن الطريق ويسبب كارثة كونه يحمل مادة شديدة الاشتعال.
لا أعلم لماذا هذه الذكريات وردت على خاطري ، ونحن منشغلين في قرارات الحكومة الرشيدة القاضية برفع أسعار بعض السلع ، ورسوم اصدار جواز السفر ، وفرض المزيد من الضرائب على خطوط الهواتف الخلوية ، واستثنائها المشروبات الكحولية من رفع سعرها ، رغم أنها تضر بالصحة، وهو المدخل الذي تعتمده الحكومة لتكسب الرأي العام في عدم الاعتراض على رفع سعره .
يبدو أن هذا الواقع أعادني إلى هذه الذكريات ،فمن المؤكد أننا لسنا صاحب الطنبور ولسنا الطنبور ،ولكن السؤال، لا أدري ، من هو البغل في مثل هذه الحالة ، ولماذا وضعت الجلدة على عيني البغل ، والأهم أن نعرف من هو البغل الذي يراد له أن يغطى على عينيه؛ فيمرروا ويفعلوا ما يشاؤون ، أم أن هذا البغل المسكين قصد أن يعمي نفسه عن الحقيقة أو الواقع ،ربما حماية لنفسه من رؤية الخطأ ، وبالتالي ثورة الغضب ، وما زلنا غير مدركين، إلى ماذا يشير الجرس ! والمحقان ! والكيلة ! ومن المنادي ” كاز .. كاز .. ” ..
وكما هو متعارف عند العرب قديما ،أن البغل في أحيان كثيرة وبعد سنوات من العمل المضني،قد يهيج ،ويثور على واقعه ،عندها تسقط القطعة الجلدية السوداء ،وبالتأكيد سيفزع البغل من الضجيج، حتى يضجر ويجنح عن الطريق ،وقتئذ لا بد من قرع الجرس ،ولكن من قبل من ؟ولمن ؟
ويبقى الطنبر طنبر ، و بغل الكاز بغل كاز.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى