
#سواليف
قراءة تحليلية في أحكام المادة (58) من #قانون_الانتخاب لمجلس النواب في ضوء الجدل الدائر بشأن #شغور #مقعد #النائب_محمد_الجراح
المحامي د. #حازم_سليمان_توبات
استاذ القانون الدستوري المساعد في كلية القانون/ جامعة اليرموك
يتضح من استقراء قانون الانتخاب لمجلس النواب لسنة 2022 أن المشرّع ميّز بين نمطين من أسباب إنهاء العضوية في مجلس النواب. يتمثل النمط الأول في حالات الشغور العامة المرتبطة بشخص النائب، وهي أسباب تقليدية مستقرة في الفقه الدستوري والأنظمة النيابية، كحالة الوفاة، أو الاستقالة من مجلس النواب، أو فقدان أحد شروط العضوية، أو فقدان الجنسية الأردنية، أو صدور حكم قضائي قطعي بالإفلاس، أو الحكم بعقوبة سالبة للحرية لمدة تزيد على سنة. وهذه الأسباب ذات طبيعة شخصية صِرفة، تمسّ المركز القانوني للنائب ذاته، وتُطبق على جميع أعضاء المجلس دون تمييز، سواء كانوا منتخبين عن الدوائر المحلية أم عن الدائرة الانتخابية العامة، وسواء أخذ النظام الانتخابي بالقوائم الحزبية أم لم يأخذ بها، إذ إن هذه الحالات سابقة في وجودها على إدخال البنية الحزبية إلى النظام الانتخابي.
غير أن التحول التشريعي الذي تمثل في اعتماد القوائم الحزبية على مستوى الدائرة الانتخابية العامة أفرز مركزًا قانونيًا جديدًا هو “النائب الحزبي”، الذي تستند عضويته إلى انتمائه لقائمة حزبية، ويجسد تمثيلًا سياسيًا ذا بعد مؤسسي حزبي لا يقوم على الاعتبار الفردي المجرد. ومن ثمّ، وسعيًا إلى ترسيخ الطابع الحزبي للمجلس ومنع انفصال المقعد النيابي عن الكيان الحزبي الذي نشأ عنه، استحدث المشرّع سببًا إضافيًا لإنهاء العضوية، يتمثل في استقالة النائب من الحزب الذي فاز من خلاله أو فصله منه بقرار قطعي. وبهذا أصبح إنهاء العضوية يقوم على أساسين متميزين: أسباب الشغور العامة ذات الطبيعة الشخصية، وأسباب استثنائية ذات طبيعة تنظيمية حزبية.
وانعكس هذا البناء المفاهيمي في صياغة المادة (58) التي جاءت في أربع فقرات متدرجة. فقد أرست الفقرة (1) القاعدة العامة لملء المقعد عند شغوره لأي سبب من أسباب الشغور العادية، ثم تناولت الفقرة (2) حالة المقاعد المرتبطة بتمثيل المسيحيين أو الشركس والشيشان باعتبارها وضعًا خاصًا قائمًا على تخصيص صريح. أما الفقرة (3) فقد عالجت حالة شغور المقعد الذي تشغله امرأة أو شاب، مع مراعاة الاعتبار الفئوي، في حين أفردت الفقرة (4) حكمًا خاصًا لحالة الشغور الناشئة عن الاستقالة من الحزب أو الفصل منه، دون نظر إلى صفة النائب من حيث كونه شابًا أو امرأة أو غير ذلك.
غير أن الإشكال في الفقرة (3) يكمن في استعمال عبارة “المقعد المخصَّص”، إذ قد يُفهم منها وجود تخصيص قانوني سابق لمقعد محدد بذاته ضمن مقاعد الدائرة الانتخابية العامة. والحال أن المشرّع لم يقرر ضمن هذه الدائرة مقاعد مخصصة (كوتا) للشباب أو للنساء، وإنما اقتصر التخصيص الصريح على تمثيل المسيحيين والشركس والشيشان. أما تمثيل الشباب والنساء في القوائم الحزبية فيتحقق من خلال ترتيب الفائزين داخل القائمة، لا من خلال تخصيص مقعد معين سلفًا. ومن ثمّ، كان الأجدر من حيث الدقة التشريعية أن تُصاغ الفقرة بعبارة: “إذا شغر المقعد الذي تشغله امرأة أو شاب”، تجنبًا لما قد يثيره التعبير الحالي من لبس في التكييف القانوني عند التطبيق.
وبإسقاط هذه الأحكام على حالة شغور مقعد النائب محمد الجراح، يتبين أنه وإن كان من فئة الشباب، فإن انتهاء عضويته لم يكن ناشئًا عن أحد أسباب الشغور العادية المرتبطة بشخص النائب، وإنما عن سبب مستحدث ذي طبيعة تنظيمية، يتمثل في انفصاله عن الحزب الذي فاز من خلاله، وهو السبب الذي عالجته الفقرة (4) صراحة. فالمعيار الحاسم في تحديد النص الواجب التطبيق لا يقوم على صفة النائب، وإنما على طبيعة السبب المؤدي إلى الشغور. وحتى لو أُعيدت صياغة الفقرة (3) بالصورة الأدق المشار إليها، فإن نطاقها سيبقى منحصِرًا في حالات الشغور العادية، دون أن يمتد إلى حالة الانفصال الحزبي التي خصها المشرّع بحكم مستقل.
وعليه، فإن القراءة المتكاملة لمنطوق المادة (58) وسياقها تفضي إلى أن ملئ المقعد الذي شغر بسبب فصل النائب محمد الجراح من الحزب يكون بالاستناد الى أحكام الفقرة (4) بوصفها النص الخاص الذي ينظم سببًا نوعيًا ومتميزًا من أسباب إنهاء العضوية، في حين تظل الفقرة (3) ، وعلى فرض سلامة صياغتها ، تبقى مقصورة على حالات الشغور ذات الطبيعة الشخصية العامة. وفي ختام هذا النقاش، أطرح تساؤلًا على من يتمسكون بوجوب تطبيق الفقرة (3) في الحالة المعروضة: ما هي الوقائع التي يرون أن الفقرة (4) وُضعت لتنظيمها؟ وفي أي سياق يمكن أن تُفعّل أحكامها إذا أُخِذ بتفسيرهم؟ أم أن وجودها في النص التشريعي يُعد – وفق هذا المنظور – مجرد زيادة مجرد زيادة دون معنى أو غاية؟
